الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
143
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الإضمار . ومقتضى الظاهر أن يقال : أولئك الذين كفروا بآياتنا ، ويجري على الوجهين الثاني والثالث أنه على مقتضى الظاهر . ونون فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً على الوجه الأول في نون قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ جارية على مقتضى الظاهر . وأما على الوجهين الثالث والرابع فإنها التفات عن قوله بِآياتِ رَبِّهِمْ ، ومقتضى الظاهر أن يقال : فلا يقيم لهم . ونفي إقامة الوزن مستعمل في عدم الاعتداد بالشيء ، وفي حقارته لأن الناس يزنون الأشياء المتنافس في مقاديرها والشيء التافه لا يوزن ، فشبهوا بالمحقرات على طريقة المكنية وأثبت لهم عدم الوزن تخييلا . وجعل عدم إقامة الوزن مفرعا على حبط أعمالهم لأنهم بحبط أعمالهم صاروا محقرين لا شيء لهم من الصالحات . [ 106 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 106 ] ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُواً ( 106 ) الإشارة إما إلى ما تقدّم من وعيدهم في قوله إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ، أي ذلك الإعداد جزاؤهم . وقوله جَزاؤُهُمْ خبر عن اسم الإشارة . وقوله جَهَنَّمُ بدل من جَزاؤُهُمْ بدلا مطابقا لأن إعداد جهنم هو عين جهنّم . وإعادة لفظ جهنم أكسبه قوّة التأكيد . وإما إلى مقدر في الذهن دل عليه السياق يبينه ما بعده على نحو استعمال ضمير الشأن مع تقدير مبتدأ محذوف . والتقدير : الأمر والشأن ذلك جزاؤهم جهنّم . والباء للسببية ، و ( ما ) مصدرية ، أي بسبب كفرهم . وَاتَّخَذُوا عطف على كَفَرُوا فهو من صلة ( ما ) المصدرية . والتقدير : وبما اتّخذوا آياتي ورسلي هزؤا ، أي باتخاذهم ذلك كذلك . والرسل يجوز أن يراد به حقيقة الجمع فيكون إخبارا عن حال كفار قريش ومن سبقهم من الأمم المكذبين ، ويجوز أن يراد به الرسول الذي أرسل إلى الناس كلهم وأطلق عليه اسم الجمع تعظيما كما في قوله نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ [ إبراهيم : 44 ] .