الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
144
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والهزؤ - بضمتين - مصدر بمعنى المفعول . وهو أشد مبالغة من الوصف باسم المفعول ، أي كانوا كثيري الهزؤ بهم . [ 107 ، 108 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 107 إلى 108 ] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً ( 107 ) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلاً ( 108 ) هذا مقابل قوله : إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا على عادة القرآن في ذكر البشارة بعد الإنذار . وتأكيد الجملة للاهتمام بها لأنها جاءت في مقابلة جملة إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا ، وهي مؤكدة كيلا يظن ظانّ أن جزاء المؤمنين غير مهتم بتأكيده مع ما في التأكيدين من تقوية الإنذار وتقوية البشارة . وجعل المسند إليه الموصول بصلة الإيمان وعمل الصالحات للاهتمام بشأن أعمالهم ، فلذلك خولف نظم الجملة التي تقابلها فلم يقل : جزاؤهم الجنّة . وقد تقدّم نظير هذا الأسلوب في المخالف بين وصف الجزاءين عند قوله تعالى في هذه السورة : إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [ الكهف : 29 ] ثم قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [ الكهف : 30 ] . وفي الإتيان ب كانَتْ دلالة على أن استحقاقهم الجنّات أمر مستقر من قبل مهيّأ لهم . وجيء بلام الاستحقاق تكريما لهم بأنهم نالوا الجنة باستحقاق إيمانهم وعملهم . كما قال تعالى : وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الزخرف : 72 ] . وجمع الجنّات إيماء إلى سعة نعيمهم ، وأنها جنان كثيرة كما جاء في الحديث : « إنها جنان كثيرة » . والفردوس : البستان الجامع لكل ما يكون في البساتين ، وعن مجاهد هو معرّب عن الرومية . وقيل عن السريانية . وقال الفراء : هو عربي ، أي ليس معربا . ولم يرد ذكره في كلام العرب قبل القرآن . وأهل الشام يقولون للبساتين والكروم : الفراديس . وفي مدينة حلب باب يسمّى باب الفراديس . وإضافة الجنات إلى الفردوس بيانية ، أي جنات هي من صنف الفردوس . وورد في