الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

139

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

البعث . واستعمل الماضي موضع المضارع تنبيها على تحقيق وقوعه . والنفخ في الصور تمثيلية مكنية تشبيها لحال الدّاعي المطاع وحال المدعو الكثير العدد السريع الإجابة ، بحال الجند الذين ينفذون أمر القائد بالنفير فينفخون في بوق النفير ، وبحال بقية الجند حين يسمعون بوق النفير فيسرعون إلى الخروج . على أنه يجوز أن يكون الصور من مخلوقات الآخرة . والحالة الممثلة حالة غريبة لا يعلم تفصيلها إلا اللّه تعالى . وتأكيد فعلي فَجَمَعْناهُمْ و عَرَضْنا بمصدريهما لتحقق أنه جمع حقيقي وعرض حقيقي ليسا من المجاز ، وفي تنكير الجمع والعرض تهويل . ونعت الكافرين ب الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ للتنبيه على أن مضمون الصلة هو سبب عرض جهنم لهم ، أي الذين عرفوا بذلك في الدنيا . والغطاء : مستعار لعدم الانتفاع بدلالة البصر على تفرد اللّه بالإلهية . وحرف ( من ) للظرفية المجازية ، وهي تمكّن الغطاء من أعينهم بحيث كأنها محوية للغطاء . و ( عن ) للمجاوزة ، أي عن النظر فيما يحصل به ذكري . ونفي استطاعتهم السمع أنهم لشدة كفرهم لا تطاوعهم نفوسهم للاستماع . وحذف مفعول سَمْعاً لدلالة قوله عَنْ ذِكْرِي عليه . والتقدير : سمعا لآياتي ، فنفي الاستطاعة مستعمل في نفي الرغبة وفي الإعراض كقوله وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ [ فصلت : 5 ] . وعرض جهنم مستعمل في إبرازها حين يشرفون عليها وقد سيقوا إليها فيعلمون أنها المهيئة لهم ، فشبه ذلك بالعرض تهكما بهم ، لأنّ العرض هو إظهار ما فيه رغبة وشهوة . [ 102 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 102 ] أَ فَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلاً ( 102 ) أعقب وصف حرمانهم الانتفاع بدلائل المشاهدات على وحدانية اللّه وإعراضهم عن سماع الآيات بتفريع الإنكار لاتخاذهم أولياء من دون اللّه يزعمونها نافعة لهم تنصرهم