الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
140
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تفريع الإنكار على صلة الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري ، لأن حسبانهم ذلك نشأ عن كون أعينهم في غطاء وكونهم لا يستطيعون سمعا ، أي حسبوا حسبانا باطلا فلم يغن عنهم ما حسبوه شيئا ، ولأجله كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا . وتقدم حرف الاستفهام على فاء العطف لأن للاستفهام صدر الكلام وهو كثير في أمثاله . والخلاف شهير بين علماء العربية في أن الاستفهام مقدم من تأخير ، أو أن العطف إنما هو على ما بعد الاستفهام بعد حذف المستفهم عنه لدلالة المعطوف عليه . فيقدر هنا : أأمنوا عذابي فحسبوا أن يتخذوا إلخ . . . وأول القولين أولى . وقد تقدمت نظائره منها قوله تعالى : أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ في سورة البقرة [ 75 ] . والاستفهام إنكاري ، والإنكار عليهم فيما يحسبونه يقتضي أن ما ظنوه باطل ، ونظيره قوله أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] . و أَنْ يَتَّخِذُوا سادّ مسدّ مفعولي فَحَسِبَ لأنه يشتمل على ما يدل على المفعولين فهو ينحل إلى مفعولين . والتقدير : أحسب الذين كفروا عبادي متخذين أولياء لهم من دوني . والإنكار متسلط على معمول المفعول الثاني وهو أَوْلِياءَ المعمول ل يَتَّخِذُوا بقرينة ما دل عليه فعل فَحَسِبَ من أن هنالك محسوبا باطلا ، وهو كونهم أولياء باعتبار ما تقتضيه حقيقة الولاية من الحماية والنصر . و عِبادِي صادق على الملائكة والجنّ والشياطين ومن عبدوهم من الأخيار مثل عيسى عليه السلام ، ويصدق على الأصنام بطريق التغليب . و مِنْ دُونِي متعلّق ب أَوْلِياءَ إما بجعل دُونِي اسما بمعنى حول ، أي من حول عذابي ، وتأويل أَوْلِياءَ بمعنى أنصارا ، أي حائلين دون عذابي ومانعيهم منه ، وإما بجعل دُونِي بمعنى غيري ، أي أحسبوا أنهم يستغنون بولايتهم . وصيغ فعل الاتخاذ بصيغة المضارع للدلالة على تجدده منهم وأنهم غير مقلعين عنه . وجعل في « الكشاف » فعل يَتَّخِذُوا للمستقبل ، أي أحسبوا أن يتخذوا عبادي أولياء يوم القيامة كما اتّخذوهم في الدنيا ، وهو المشار إليه بقوله وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً . ونظّره بقوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نقول لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ