الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

106

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أن هذا الحال الغريب العظيم الذي ذكر من قصته ما هو إلا من أحوال عباد كثيرين للّه تعالى . وما منهم إلا له مقام معلوم . وإيتاء الرحمة يجوز أن يكون معناه : أنه جعل مرحوما ، وذلك بأن رفق اللّه به في أحواله . ويجوز أن يكون جعلناه سبب رحمة بأن صرفه تصرفا يجلب الرحمة العامة . والعلم من لدن اللّه : هو الإعلام بطريق الوحي . و ( عند ) و ( لدن ) كلاهما حقيقته اسم مكان قريب . ويستعملان مجازا في اختصاص المضاف إليه بموصوفهما . و ( من ) ابتدائية ، أي آتيناه رحمة صدرت من مكان القرب ، أي الشرف وهو قرب تشريف بالانتساب إلى اللّه ، وعلما صدر منه أيضا . وذلك أن ما أوتيه من الولاية أو النبوءة رحمة عزيزة ، أو ما أوتيه من العلم عزيز ، فكأنهما مما يدخر عند اللّه في مكان القرب التشريفي من اللّه فلا يعطى إلا للمصطفين . والمخالفة بين مِنْ عِنْدِنا وبين مِنْ لَدُنَّا للتفنن تفاديا من إعادة الكلمة . وجملة قالَ لَهُ مُوسى ابتداء محاورة ، فهو استئناف ابتدائي ، ولذلك لم يقع التعبير ب ( قال ) مجردة عن العاطف . والاستفهام في قوله : هَلْ أَتَّبِعُكَ مستعمل في العرض بقرينة أنه استفهام عن عمل نفس المستفهم . والاتباع : مجاز في المصاحبة كقوله تعالى : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ * [ النّجم : 28 ] . و ( على ) مستعملة في معنى الاشتراط لأنه استعلاء مجازي . جعل الاتباع كأنه مستعمل فوق التعليم لشدة المقارنة بينهما . فصيغة : أفعل كذا على كذا ، من صيغ الالتزام والتعاقد . ويؤخذ من الآية جواز التعاقد على تعليم القرآن والعلم ، كما في حديث تزويج المرأة التي عرضت نفسها على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فلم يقبلها ، فزوجها من رغب فيها على أن يعلمها ما معه من القرآن . وفيه أنه التزام يجب الوفاء به . وقد تفرع عن حكم لزوم الالتزام أن العرف فيه يقوم مقام الاشتراط فيجب على المنتصب للتعليم أن يعامل المتعلمين بما جرى عليه عرف أقاليمهم .