الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

105

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كلام فتى موسى ، أي وأنه اتخذ سبيله في البحر ، أي سبح في البحر بعد أن كان ميتا زمنا طويلا . وقوله : عَجَباً جملة مستأنفة ، وهي من حكاية قول الفتى ، أي أعجب له عجبا ، فانتصب على المفعول المطلق الآتي بدلا من فعله . [ 64 - 70 ] [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 64 إلى 70 ] قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً ( 64 ) فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ( 65 ) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً ( 66 ) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ( 67 ) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً ( 68 ) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ( 69 ) قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً ( 70 ) قالَ ذلِكَ إلخ . . جواب عن كلامه ، ولذلك فصلت كما بيناه غير مرة . والإشارة ب ذلِكَ إلى ما تضمنه خبر الفتى من فقد الحوت . ومعنى كونه المبتغى أنه وسيلة المبتغى . وإنما المبتغى هو لقاء العبد الصالح في المكان الذي يفقد فيه الحوت . وكتب نَبْغِ في المصحف بدون ياء في آخره ، فقيل : أراد الكاتبون مراعاة حالة الوقف ، لأن الأحسن في الوقف على ياء المنقوص أن يوقف بحذفها . وقيل : أرادوا التنبيه على أنها رويت محذوفة في هذه الآية . والعرب يميلون إلى التخفيف . فقرأ نافع ، وأبو عمرو ، والكسائي ، وأبو جعفر - بحذف الياء - في الوقف وإثباتها في الوصل ، وقرأ عاصم ، وحمزة ، وابن عامر بحذف الياء في الوصل والوقف . وقرأ ابن كثير ، ويعقوب بإثباتها في الحالين ، والنون نون المتكلم المشارك ، أي ما أبغيه أنا وأنت ، وكلاهما يبغي ملاقاة العبد الصالح . والارتداد : مطاوع الرد كأن رادا ردّهما . وإنما ردتهما إرادتهما ، أي رجعا على آثار سيرهما ، أي رجعا على طريقهما الذي أتيا منه . والقصص : مصدر قص الأثر ، إذا توخى متابعته كيلا يخطئا الطريق الأول . والمراد بالعبد : الخضر ، ووصف بأنه من عباد اللّه تشريفا له ، كما تقدم عند قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ [ الإسراء : 1 ] . وعدل عن الإضافة إلى التنكير والصفة لأنه لم يسبق ما يقتضي تعريفه ، وللإشارة إلى