الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

10

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بعد هذه الآية ويزاد به مقداره . وجملة وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً معترضة بين الْكِتابَ وبين الحال منه وهو قَيِّماً . والواو اعتراضية . ويجوز كون الجملة حالا والواو حالية . والعوج - بكسر العين وفتحها وبفتح الواو - حقيقته : انحراف جسم ما عن الشكل المستقيم ، فهو ضد الاستقامة . ويطلق مجازا على الانحراف عن الصواب والمعاني المقبولة المستحسنة . والذي عليه المحققون من أئمة اللغة أن مكسور العين ومفتوحها سواء في الإطلاقين الحقيقي والمجازي . وقيل : المكسور العين يختص بالإطلاق المجازي وعليه درج في « الكشاف » . ويبطله قوله تعالى لما ذكر نسف الجبال فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 106 - 107 ] حيث اتفق القراء على قراءته - بكسر العين - . وعن ابن السكيت : أن المكسور أعم يجيء في الحقيقي والمجازي وأن المفتوح خاص بالمجازي . والمراد بالعوج هنا عوج مدلولات كلامه بمخالفتها للصواب وتناقضها وبعدها عن الحكمة وإصابة المراد . والمقصود من هذه الجملة المعترضة أو الحالية إبطال ما يرميه به المشركون من قولهم : « افتراه ، وأساطير الأولين ، وقول كاهن » ، لأن تلك الأمور لا تخلو من عوج ، قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ النساء : 82 ] . وضمير لَهُ عائد إلى الْكِتابَ . وإنما عدي الجعل باللام دون ( في ) لأن العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية لأن الظرفية من علائق الأجسام ، وأما معنى الاختصاص فهو أعم . فالمعنى : أنه متصف بكمال أوصاف الكتب من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف . وهذا وصف كمال للكتاب في ذاته وهو مقتض أنه أهل للانتفاع به ، فهذا كوصفه بأنه لا رَيْبَ فِيهِ في سورة البقرة [ 2 ] . و قَيِّماً حال من الْكِتابَ أو من ضميره المجرور باللام ، لأنه إذا جعل حالا