الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
11
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
من أحدهما ثبت الاتصاف به للآخر إذ هما شيء واحد ، فلا طائل فيما أطالوا به من الإعراب . والقيم : صفة مبالغة من القيام المجازي الذي يطلق على دوام تعهد شيء وملازمة صلاحه ، لأن التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله ، كما تقدم عند قوله تعالى : الْحَيُّ الْقَيُّومُ في سورة البقرة [ 255 ] . والمراد به هنا أنه قيم على هدي الأمة وإصلاحها ، فالمراد أن كماله متعدّ بالنفع ، فوزانه وزان وصفه بأنه هُدىً لِلْمُتَّقِينَ في سورة البقرة : [ 2 ] . والجمع بين قوله : وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً وقوله : قَيِّماً كالجمع بين لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] وبين هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] وليس هو تأكيدا لنفي العوج . لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ لِيُنْذِرَ متعلق ب أَنْزَلَ . والضمير المرفوع عائد إلى اسم الجلالة ، أي لينذر اللّه بأسا شديدا من لدنه ، والمفعول الأول لِيُنْذِرَ محذوف لقصد التعميم ، أو تنزيلا للفعل منزلة اللازم لأن المقصود المنذر به وهو البأس الشديد تهويلا له ولتهديد المشركين المنكرين إنزال القرآن من اللّه . والبأس : الشدة في الألم . ويطلق على القوة في الحرب لأنها تؤلم العدو . وقد تقدم في قوله تعالى : وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ من سورة البقرة [ 177 ] . والمراد هنا : شدة الحال في الحياة الدنيا ، وذلك هو الذي أطلق على اسم البأس في القرآن ، وعليه درج الطبري . وهذا إيماء بالتهديد للمشركين بما سيلقونه من القتل والأسر بأيدي المسلمين ، وذلك بأس من لدنه تعالى لأنه بتقديره وبأمره عباده أن يفعلوه ، فاستعمال ( لدن ) هنا في معنييه الحقيقي والمجازي . وليس في جعل الإنذار ببأس الدنيا علّة لإنزال الكتاب ما يقتضي اقتصار علل إنزاله على ذلك ، لأن الفعل الواحد قد تكون له علل كثيرة يذكر بعضها ويترك بعض . وإنما آثرت الحمل على جعل اليأس الشديد بأس الدنيا للتفصي مما يرد على إعادة فعل وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً [ الكهف : 4 ] كما سيأتي . ويجوز أن يراد بالبأس عذاب الآخرة فإنه بأس شديد ، ويكون قوله : مِنْ لَدُنْهُ