الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

9

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

خبرا عجيبا يستقبله السامعون دالا على عظيم القدرة من المتكلم ورفيع منزلة المتحدث عنه . فإن جملة التسبيح في الكلام الذي لم يقع فيه ما يوهم تشبيها أو تنقيصا لا يليقان بجلال اللّه تعالى مثل سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ [ الصافّات : 180 ] يتعين أن تكون مستعملة في أكثر من التنزيه ، وذلك هو التعجيب من الخبر المتحدث به كقوله قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ [ النور : 16 ] ، وقول الأعشى : قد قلت لما جاءني فخره * سبحان من علقمة الفاخر ولما كان هذا الكلام من جانب اللّه تعالى والتسبيح صادرا منه كان المعنى تعجيب السامعين ، لأن التعجب مستحيلة حقيقته على اللّه لا لأن ذلك لا يلتفت إليه في محامل الكلام البليغ لإمكان الرجوع إلى التمثيل ، مثل مجيء الرجاء في كلامه تعالى نحو لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * [ البقرة : 189 ] ، بل لأنه لا يستقيم تعجب المتكلم من فعل نفسه ، فيكون معنى التعجيب فيه من قبيل قولهم أتعجب من قول فلان كيت وكيت . ووجه هذا الاستعمال أن الأصل أن يكون التسبيح عند ظهور ما يدل على إبطال ما لا يليق باللّه تعالى . ولما كان ظهور ما يدل على عظيم القدرة مزيلا للشك في قدرة اللّه وللإشراك به كان من شأنه أن ينطق المتأمل بتسبيح اللّه تعالى ، أي تنزيهه عن العجز . وأصل صيغ التسبيح هو كلمة « سبحان اللّه » التي نحت منها السبحلة . ووقع التصرف في صيغها بالإضمار نحو سبحانك وسبحانه ، وبالموصول نحو سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها [ يس : 36 ] ومنه هذه الآية . والتعبير عن الذات العلية بطريق الموصول دون الاسم العلم للتنبيه على ما تفيده صلة الموصول من الإيماء إلى وجه هذا التعجيب والتنويه وسببه ، وهو ذلك الحادث العظيم والعناية الكبرى . ويفيد أن حديث الإسراء أمر فشا بين القوم ، فقد آمن به المسلمون وأكبره المشركون . وفي ذلك إدماج لرفعة قدر محمد صلى اللّه عليه وسلّم وإثبات أنه رسول من اللّه ، وأنه أوتي من دلائل صدق دعوته ما لا قيل لهم بإنكاره ، فقد كان إسراؤه اطلاعا له على غائب من الأرض ، وهو أفضل مكان بعد المسجد الحرام . و أَسْرى لغة في سرى ، بمعنى سار في الليل ، فالهمزة هنا ليست للتعدية لأن