الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
10
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التعدية حاصلة بالباء ، بل أسرى فعل مفتح بالهمزة مرادف سرى ، وهو مثل أبان المرادف بان ، ومثل أنهج الثوب بمعنى نهج أي بلي ، ف أَسْرى بِعَبْدِهِ بمنزلة ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ [ البقرة : 17 ] . وللمبرد والسهيلي نكتة في التفرقة بين التعدية بالهمزة والتعدية بالباء بأن الثانية أبلغ لأنها في أصل الوضع تقتضي مشاركة الفاعل المفعول في الفعل ، فأصل ( ذهب به ) أنه استصحبه ، كما قال تعالى وَسارَ بِأَهْلِهِ [ القصص : 29 ] . وقالت العرب أشبعهم شتما ، وراحوا بالإبل . وفي هذا لطيفة تناسب المقام هنا إذ قال أَسْرى بِعَبْدِهِ دون سرّى بعبده ، وهي التلويح إلى أن اللّه تعالى كان مع رسوله في إسرائه بعنايته وتوفيقه ، كما قال تعالى فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا [ الطور : 48 ] ، وقال : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] . فالمعنى : الذي جعل عبده مسريا ، أي ساريا ، وهو كقوله تعالى : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ [ هود : 81 ] . وإذ قد كان السرى خاصا بسير الليل كان قوله : لَيْلًا إشارة إلى أن السير به إلى المسجد الأقصى كان في جزء ليلة ، وإلا لم يكن ذكره إلا تأكيدا ، على أن الإفادة كما يقولون خير من الإعادة . وفي ذلك إيماء إلى أنه أسراء خارق للعادة لقطع المسافة التي بين مبدأ السير ونهايته في بعض ليلة ، وأيضا ليتوسل بذكر الليل إلى تنكيره المفيد للتعظيم . فتنكير لَيْلًا للتعظيم ، بقرينة الاعتناء بذكره مع علمه من فعل أَسْرى ، وبقرينة عدم تعريفه ، أي هو ليل عظيم باعتبار جعله زمنا لذلك السرى العظيم ، فقام التنكير هنا مقام ما يدل على التعظيم . ألا ترى كيف احتيج إلى الدلالة على التعظيم بصيغة خاصة في قوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ [ القدر : 1 - 2 ] إذ وقعت ليلة القدر غير منكرة . « 1 » و ( عبد ) المضاف إلى ضمير الجلالة هنا هو محمد صلى اللّه عليه وسلّم كما هو مصطلح القرآن ، فإنه لم يقع فيه لفظ العبد مضافا إلى ضمير الغيبة الراجع إلى اللّه تعالى إلا مرادا به النبي صلى اللّه عليه وسلّم
--> ( 1 ) وأما قوله : أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ فذلك توكيد لأن المتحدث عنهم ينكرونه ولا يعبئون بما أعد لهم فيه من الأهوال .