الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

57

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وليس المقصود من النهي عن أن يقول لهما أُفٍّ خاصة ، وإنما المقصود النهي عن الأذى الذي أقله الأذى باللسان بأوجز كلمة ، وبأنها غير دالة على أكثر من حصول الضجر لقائلها دون شتم أو ذم ، فيفهم منه النهي مما هو أشد أذى بطريق فحوى الخطاب بالأولى . ثم عطف عليه النهي عن نهرهما لئلا يحسب أن ذلك تأديب لصلاحهما وليس بالأذى . والنهر الزجر ، يقال : نهره وانتهره . ثم أمر بإكرام القول لهما . والكريم من كل شيء : الرفيع في نوعه . وتقدم عند قوله تعالى : وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ في سورة الأنفال [ 4 ] . وبهذا الأمر انقطع العذر بحيث إذا رأى الولد أن ينصح لأحد أبويه أو أن يحذر مما قد يضر به أدى إليه ذلك بقول لين حسن الوقع . ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعا يبلغ حد الذل لهما لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد ، لأن الأبوين يبغيان أن يكونا هما النافعين لولدهما . والقصد من ذلك التخلق بشكره على أنعامهما السابقة عليه . وصيغ التعبير عن التواضع بتصويره في هيئة تذلل الطائر عندما يعتريه خوف من طائر أشد منه إذ يخفض جناحه متذللا . ففي التركيب استعارة مكنية والجناح تخييل بمنزلة تخييل الأظفار للمنية في قول أبي ذؤيب : وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع وبمنزلة تخييل اليد للشمال - بفتح الشين - والزمام للقرة في قول لبيد : وغداة ريح قد كشفت وقرة * إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ومجموع هذه الاستعارة تمثيل . وقد تقدم في قوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في سورة الحجر [ 88 ] . والتعريف في الرَّحْمَةِ عوض عن المضاف إليه ، أي من رحمتك إياهما . و ( من ) ابتدائية ، أي الذل الناشئ عن الرحمة لا عن الخوف أو عن المداهنة . والمقصود اعتياد النفس على التخلق بالرحمة باستحضار وجوب معاملته إياهما بها حتى يصير له خلقا ، كما قيل :