الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
58
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إن التخلق يأتي دونه الخلق وهذه أحكام عامة في الوالدين وإن كانا مشركين ، ولا يطاعان في معصية ولا كفر كما في آية سورة العنكبوت . ومقتضى الآية التسوية بين الوالدين في البر وإرضاؤهما معا في ذلك ، لأن موردها لفعل يصدر من الولد نحو والديه وذلك قابل للتسوية . ولم تتعرض لما عدا ذلك مما يختلف فيه الأبوان ويتشاحان في طلب فعل الولد إذا لم يمكن الجمع بين رغبتيهما بأن يأمره أحد الأبوين بضد ما يأمره به الآخر . ويظهر أن ذلك يجري على أحوال تعارض الأدلة بأن يسعى إلى العمل بطلبيهما إن استطاع . و في الحديث الصحيح عن أبي هريرة : أن رجلا سأل النبي صلى اللّه عليه وسلّم من أحقّ الناس بحسن صحابتي ؟ قال : أمك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمّك . قال : ثم من ؟ قال : ثم أمّك . قال : ثمّ من ؟ قال : ثم أبوك » . وهو ظاهر في ترجيح جانب الأم لأن سؤال السائل دل على أنه يسأل عن حسن معاملته لأبويه . وللعلماء أقوال : أحدها : ترجيح الأم على الأب وإلى هذا ذهب الليث بن سعد ، والمحاسبي ، وأبو حنيفة . وهو ظاهر قول مالك ، فقد حكى القرافي في الفرق 23 عن مختصر الجامع أن رجلا سأل مالكا فقال : إن أبي في بلد السودان وقد كتب إليّ أن أقدم عليه وأمي تمنعني من ذلك ؟ فقال مالك : أطع أباك ولا تعص أمك . وذكر القرافي في المسألة السابعة من ذلك الفرق أن مالكا أراد منع الابن من الخروج إلى السودان بغير إذن الأم . الثاني : قول الشافعية أن الأبوين سواء في البر . وهذا القول يقتضي وجوب طلب الترجيح إذا أمرا ابنهما بأمرين متضادين . وحكى القرطبي عن المحاسبي في كتاب « الرعاية » أنه قال : لا خلاف بين العلماء في أن للأم ثلاثة أرباع البر وللأب الربع . وحكى القرطبي عن الليث أن للأم ثلثي البر وللأب الثلث ، بناء على اختلاف رواية الحديث المذكور أنه قال : ثم أبوك بعد المرة الثانية أو بعد المرة الثالثة .