الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
182
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا معطوفة على جملة وَقُرْآناً فَرَقْناهُ . وفي فعل نَزَّلْناهُ المضاعف وتأكيده بالمفعول المطلق إشارة إلى تفريق إنزاله المذكور في قوله : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ [ الإسراء : 105 ] . وطوي بيان الحكمة للاجتزاء بما في قوله : لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ من اتحاد الحكمة . وهي ما صرح به قوله تعالى : كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا [ الفرقان : 32 ] . ويجوز أن يراد : فرقنا إنزاله رعيا للأسباب والحوادث . وفي كلام الوجهين إبطال لشبهتهم إذ قالوا : لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [ الفرقان : 32 ] . [ 107 - 109 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 107 إلى 109 ] قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً ( 107 ) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ( 108 ) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ( 109 ) استئناف خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ليلقنه بما يقوله للمشركين الذين لم يؤمنوا بأن القرآن منزل من عند اللّه ، فإنه بعد أن أوضح لهم الدلائل على أن مثل ذلك القرآن لا يكون إلا منزلا من عند اللّه من قوله : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] فعجزوا عن الإتيان بمثله ، ثم ببيان فضائل ما اشتمل عليه بقوله : وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ [ الإسراء : 89 ] ، ثم بالتعرض إلى ما اقترحوه من الإتيان بمعجزات أخر ، ثم بكشف شبهتهم التي يموهون بها امتناعهم من الإيمان برسالة بشر ، وبيّن لهم غلطهم أو مغالطتهم ، ثم بالأمر بإقامة اللّه شهيدا بينه وبينهم ، ثم بتهديدهم بعذاب الآخرة ، ثم بتمثيل حالهم مع رسولهم بحال فرعون وقومه مع موسى وما عجل لهم من عذاب الدنيا بالاستئصال ، ثم بكشف شبهتهم في تنجيم القرآن ؛ أعقب ذلك بتفويض النظر في ترجيح الإيمان بصدق القرآن وعدم الإيمان بقوله : آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا للتسوية بين إيمانهم وعدمه عند اللّه تعالى . فالأمر في قوله : آمِنُوا للتسوية ، أي إن شئتم . وجزم لا تُؤْمِنُوا بالعطف على المجزوم . ومثله قوله في سورة الطور [ 16 ] فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ ، فحرف ( لا ) حرف نفي وليس حرف نهي ، ولا يقع مع الأمر المراد به التسوية إلا كذلك ، وهو كناية عن الإعراض عنهم واحتقارهم وقلة