الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المبالاة بهم ، ويندمج فيه مع ذلك تسلية الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . وجملة إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ تعليل لمعنى التسوية بين إيمانهم به وعدمه أو تعليل لفعل قُلْ ، أو لكليهما ، شأن العلل التي ترد بعد جمل متعددة ، ولذلك فصلت . وموقع ( إن ) فيها موقع فاء التفريع ، أي إنما كان إيمانكم بالقرآن وعدمه سواء لأنه مستغن عن إيمانكم به بإيمان الذين أوتوا العلم من قبل نزوله ، فهم أرجح منكم أحلاما وأفضل مقاما ، وهم الذين أوتوا العلم ، فإنهم إذا يسمعونه يؤمنون به ويزيدهم إيمانا بما في كتبهم من الوعد بالرسول الذي أنزل هذا عليه . وفي هذا تعريض بأن الذين أعرضوا عن الإيمان بالقرآن جهلة وأهل جاهلية . والمراد بالذين أوتوا العلم أمثال : ورقة بن نوفل ، فقد تسامع أهل مكة بشهادته للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ومن آمن بعد نزول هذه السورة من مثل : عبد اللّه بن سلام ، ومعيقيب ، وسلمان الفارسي . ففي هذه الآية إخبار بمغيّب . وضمائر « به ، ومن قبله ، ويتلى » عائدة إلى القرآن . والكلام على حذف مضاف معلوم من المقام معهود الحذف ، أي آمنوا بصدقة . ومن قبل نزوله . والخرور : سقوط الجسم . قال تعالى : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 26 ] . وقد تقدم في قوله : وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً في سورة الأعراف [ 143 ] . واللام في لِلْأَذْقانِ بمعنى ( على ) كما في قوله تعالى : وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ [ الصافات : 103 ] ، وقول تأبط شرا : . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 1 » * صريعا لليدين وللجران وأصل هذه اللام أنها استعارة تبعية . استعير حرف الاختصاص لمعنى الاستعلاء للدلالة على مزيد التمكن كتمكن الشيء بما هو مختص به .
--> ( 1 ) أوله : « فأضر بها بلاد دهش فخرت » . وضمير الغائبة عائد على الغول .