الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإنكار المعاد . فالإشارة إلى ما تقدم من قوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ [ الإسراء : 97 ] إلى آخر الآية بتأويل : المذكور . والجزاء : العوض عن عمل . والباء في بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا للسببية . والظاهر أن جملة وَقالُوا أَ إِذا كُنَّا عِظاماً إلخ . عطف على جملة بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا . فذكر وجه اجتماع تلك العقوبات لهم ، وذكر سببان : أحدهما : الكفر بالآيات ويندرج فيه صنوف من الجرائم تفصيلا وجمعا تناسبها العقوبة التي في قوله : وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ [ الإسراء : 97 ] . وثانيهما : إنكارهم البعث بقولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً المناسب له أن يعاقبوا عقابا يناسب ما أنكروه من تجدد الحياة بعد المصير رفاتا ، فإن رفات الإحراق أشد اضمحلالا من رفات العظام في التراب . والاستفهام في حكاية قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وقوله : أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ إنكاري . وتقدم اختلاف القراء في إثبات الهمزتين في قوله : أَ إِذا وفي إثباتها في قوله : أَ إِذا . . لَمَبْعُوثُونَ في نظير هذه الآية من هذه السورة . [ 99 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 99 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً ( 99 ) جملة أَ وَلَمْ يَرَوْا عطف على جملة ذلِكَ جَزاؤُهُمْ [ الإسراء : 98 ] باعتبار ما تضمنته الجملة المعطوف عليها من الردع عن قولهم : أَ إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً [ الإسراء : 98 ] . فبعد زجرهم عن إنكارهم البعث بأسلوب التهديد عطف عليه إبطال اعتقادهم بطريق الاستدلال بقياس التمثيل في الإمكان ، وهو كاف في إقناعهم هنا لأنهم إنما أنكروا البعث باعتقاد استحالته كما أفصح عنه حكاية كلامهم بالاستفهام الإنكاري . وإحالتهم ذلك مستندة إلى أنهم صاروا عظاما ورفاتا ، أي بتعذر إعادة خلق أمثال تلك الأجزاء ، ولم يستدلوا بدليل آخر ، فكان تمثيل خلق أجسام من أجزاء بالية بخلق أشياء أعظم منها من