الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

173

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عدم أوغل في الفناء دليلا يقطع دعواهم . والاستفهام في أَ وَلَمْ يَرَوْا إنكاري مشوب بتعجيب من انتفاء علمهم ، لأنهم لما جرت عقائدهم على استبعاد البعث كانوا بحال من لم تظهر له دلائل قدرة اللّه تعالى ، فيؤول الكلام إلى إثبات أنهم علموا ذلك في نفس الأمر . والرؤية مستعملة في الاعتقاد لأنها عديت إلى كون اللّه قادرا ، وذلك ليس من المبصرات . والمعنى : أو لم يعلموا أن اللّه قادر على أن يخلق مثلهم . وضمير مِثْلَهُمْ عائد إلى ما عاد إليه ضمير يَرَوْا وهو النَّاسَ في قوله : وَما مَنَعَ النَّاسَ [ الإسراء : 94 ] أي المشركين . والمثل : المماثل ، أي قادر على أن يخلق ناسا أمثالهم ، لأن الكلام في إثبات إعادة أجسام المردود عليهم لا في أن اللّه قادر على أن يخلق خلقا آخر ، ويكون في الآية إيماء إلى أن البعث إعادة أجسام أخرى عن عدم ، فيخلق لكل ميت جسد جديد على مثال جسده الذي كان في الدنيا وتوضع فيه الروح التي كانت له . ويجوز أن يكون لفظ « مثل » هنا كناية عن نفس ما أضيف إليه ، كقول العرب : مثلك لا يبخل ، وقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] على أحد تأويلين فيه ، أي على جعل الكاف الداخلة على لفظ « مثله » غير زائدة . والمعنى : قادر على أن يخلقهم ، أي أن يعيد خلقهم ، فإن ذلك ليس بأعجب من خلق السماوات والأرض . ولعلمائنا طرق في إعادة الأجسام عند البعث فقيل : تكون الإعادة عن عدم ، وقيل تكون عن جمع ما تفرق من الأجسام . وقيل : ينبت من عجب ذنب كل شخص جسد جديد مماثل لجسده كما تنبت من النواة شجرة مماثلة للشجرة التي أثمرت ثمرة تلك النواة . ووصف اسم الجلالة بالموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر ، وهو الإنكار عليهم ، لأن خلق السماوات والأرض أمر مشاهد معلوم ، وكونه من فعل اللّه لا ينازعون فيه . وجملة وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ معطوفة على جملة أَ وَلَمْ يَرَوْا لتأويلها بمعنى قد رأوا ذلك لو كان لهم عقول ، أي تحققوا أن اللّه قادر على إعادة الخلق وقد جعل لهم أجلا لا ريب فيه .