الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
165
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ [ الطور : 44 ] ، إذ هو تهديد لهم بأشراط الساعة وإشرافهم على الحساب . وجعلوا ( من ) في قوله تعالى : كِسَفاً مِنَ السَّماءِ * [ الطور : 44 ] تبعيضية ، أي قطعة من الأجرام السماوية ، فلذلك أبوا تعدية فعل تُسْقِطَ إلى ذات السماء . واعلم أن هذا يقتضي أن تكون هاتان الآيتان أو إحداها نزلت قبل سورة الإسراء وليس ذلك بمستبعد . و « الكسف » - بكسر الكاف وفتح السين - جمع كسفة ، وهي القطعة من الشيء مثل سدرة وسدر . وكذلك قرأه نافع ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم ، وأبو جعفر . وقرأه الباقون - بسكون السين - بمعنى المفعول ، أي المكسوف بمعنى المقطوع . والزعم : القول المستبعد أو المحال . والقبيل : الجماعة من جنس واحد . وهو منصوب على الحال من الملائكة ، أي هم قبيل خاص غير معروف ، كأنهم قالوا : أو تأتي بفريق من جنس الملائكة . والزخرف : الذهب . وإنما عدي تَرْقى فِي السَّماءِ بحرف ( في ) الظرفية للإشارة إلى أن الرقي تدرج في السماوات كمن يصعد في المرقاة والسلم . ثم تفننوا في الاقتراح فسألوه إن رقى أن يرسل إليهم بكتاب ينزل من السماء يقرءونه ، فيه شهادة بأنه بلغ السماء . قيل : قائل ذلك عبد اللّه بن أبي أمية ، قال : حتى تأتينا بكتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون لك . ولعلهم إنما أرادوا أن ينزل عليهم من السماء كتابا كاملا دفعة واحدة ، فيكونوا قد ألحدوا بتنجيم القرآن ، توهما بأن تنجيمه لا يناسب كونه منزلا من عند اللّه لأن التنجيم عندهم يقتضي التأمل والتصنع في تأليفه ، ولذلك يكثر في القرآن بيان حكمة تنجيمه . واللام في قوله : لِرُقِيِّكَ يجوز أن تكون لام التبيين . على أن « رقيك » مفعول نُؤْمِنَ مثل قوله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ فيكون ادعاء الرقي منفيا عنه التصديق حتى ينزل عليهم كتاب . ويجوز أن تكون اللام لام العلة ومفعول نُؤْمِنَ محذوفا دل عليه قوله قبله : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ . والتقدير : لن نصدقك لأجل رقيك هي تنزل علينا كتابا . والمعنى : أنه لو رقى في السماء لكذبوا أعينهم حتى يرسل إليهم كتابا يرونه نازلا من السماء . وهذا تورك منهم وتهكم .