الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

166

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولما كان اقتراحهم اقتراح ملاجّة وعناد أمره اللّه بأن يجيبهم بما يدل على التعجب من كلامهم بكلمة سُبْحانَ رَبِّي التي تستعمل في التعجب كما تقدم في طالع هذه السورة ، ثم بالاستفهام الإنكاري ، وصيغة الحصر المقتضية قصر نفسه على البشرية والرسالة قصرا إضافيا ، أي لست ربا متصرفا أخلق ما يطلب مني ، فكيف آتي باللّه والملائكة وكيف أخلق في الأرض ما لم يخلق فيها . وقرأ الجمهور قُلْ بصيغة فعل الأمر . وقرأه ابن كثير ، وابن عامر قال بألف بعد القاف بصيغة الماضي - على أنه حكاية لجواب الرسول صلى اللّه عليه وسلّم عن قولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً على طريقة الالتفات . [ 94 ، 95 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 94 إلى 95 ] وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً ( 94 ) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ( 95 ) بعد أن عدّت أشكال عنادهم ومظاهر تكذيبهم أعقبت ببيان العلة الأصلية التي تبعث على الجحود في جميع الأمم وهي توهمهم استحالة أن يبعث اللّه للناس برسالة بشرا مثلهم . فذلك التوهم هو مثار ما يأتونه من المعاذير ، فالذين هذا أصل معتقدهم لا يرجى منهم أن يؤمنوا ولو جاءتهم كل آية ، وما قصدهم من مختلف المقترحات إلا إرضاء أوهامهم بالتنصل من الدخول في الدين ، فلو أتاهم الرسول بما سألوه لانتقلوا فقالوا : إن ذلك سحر ، أو قلوبنا غلف ، أو نحو ذلك . ومع ما في هذا من بيان أصل كفرهم هو أيضا رد بالخصوص لقولهم : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [ الإسراء : 92 ] ورد لقولهم : أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ [ الإسراء : 93 ] إلى آخره . وقوله : إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا يقتضي بصريحه أنهم قالوا بألسنتهم وهو مع ذلك كناية عن اعتقادهم ما قالوه . ولذلك جعل قولهم ذلك مانعا من أن يؤمنوا لأن اعتقاد قائليه يمنع من إيمانهم بضده ونطقهم بما يعتقدونه يمنع من يسمعونهم من متبعي دينهم . وإلقاء هذا الكلام بصيغة الحصر وأداة العموم جعله تذييلا لما مضى من حكاية تفننهم في أساليب التكذيب والتهكم . فالظاهر حمل التعريف في النَّاسَ على الاستغراق . أي ما منع جميع الناس أن