الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

143

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا اعتراض لتكملة البيان . والمعنى : أن ذلك كائن لا محالة لأننا أجريناه على الأمم السالفة ولأن عادتنا لا تتحول . والتعبير ب لا تَجِدُ مبالغة في الانتفاء كما في قوله : وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ في سورة الأعراف [ 17 ] . والتحويل : تغيير الحال وهو التبديل . ومن غريب التفسير أن المراد : أن اليهود قالوا للنبي الحق بأرض الشام فإنها أرض الأنبياء فصدّق النبي قولهم فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام فلما بلغ تبوك أنزل اللّه هذه الآية ، وهي رواية باطلة . وسبب غزوة تبوك معروف في كتب الحديث والسير ومن أجل هذه الرواية قال فريق : إن الآية مدنية كما تقدم في صدر السورة . [ 78 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 78 ] أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 ) كان شرع الصلوات الخمس للأمة ليلة الإسراء ، كما ثبت في الحديث الصحيح ، ولكنه كان غير مثبت في التشريع المتواتر إنما أبلغه النبي أصحابه فيوشك أن لا يعلمه غيرهم ممن يأتي من المسلمين . وأيضا فقد عينت الآية أوقاتا للصلوات بعد تقرر فرضها ، فلذلك جاءت هذه الآية في هذه السورة التي نزلت عقب حادث الإسراء جمعا للتشريع الذي شرع للأمة أيامئذ المبتدأ بقوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ الآيات [ الإسراء : 23 ] . فالجملة استئناف ابتدائي . ومناسبة موقعها عقب ما قبلها أن اللّه لما امتن على النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالعصمة وبالنصر ذكره بشكر النعمة بأن أمره بأعظم عبادة يعبده بها ، وبالزيادة منها طلبا لازدياد النعمة عليه ، كما دل عليه قوله في آخر الآية عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 79 ] . فالخطاب بالأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ولكن قد تقرر من اصطلاح القرآن أن خطاب النبي بتشريع تدخل فيه أمته إلا إذا دل دليل على اختصاصه بذلك الحكم ، وقد علم المسلمون ذلك وشاع بينهم بحيث ما كانوا يسألون عن اختصاص حكم إلا في مقام الاحتمال