الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
144
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
القوي ، كمن سأله : ألنا هذه أم للأبد ؟ فقال : بل للأبد . والإقامة : مجاز في المواظبة والإدامة . وقد تقدم عند قوله تعالى : وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ في أول سورة البقرة [ 3 ] . واللام في لِدُلُوكِ الشَّمْسِ لام التوقيت ، وهي بمعنى ( عند ) . والدلوك : من أحوال الشمس ، فورد بمعنى زوال الشمس عن وسط قوس فرضيّ في طريق مسيرها اليومي . وورد بمعنى : ميل الشمس عن مقدار ثلاثة أرباع القوس وهو وقت العصر ، وورد بمعنى غروبها ، فصار لفظ الدلوك مشتركا في المعاني الثلاثة . والغسق : الظلمة ، وهي انقطاع بقايا شعاع الشمس حين يماثل سواد أفق الغروب سواد بقية الأفق وهو وقت غيبوبة الشفق ، وذلك وقت العشاء ، ويسمى العتمة ، أي الظلمة . وقد جمعت الآية أوقاتا أربعة ، فالدلوك يجمع ثلاثة أوقات باستعمال المشترك في معانيه ، والقرينة واضحة . وفهم من حرف ( إلى ) الذي للانتهاء أن في تلك الأوقات صلوات لأن الغاية كانت لفعل أَقِمِ الصَّلاةَ فالغاية تقتضي تكرر إقامة الصلاة . وليس المراد غاية لصلاة واحدة جعل وقتها متسعا ، لأن هذا فهم ينبو عنه ما تدل عليه اللام في قوله : لِدُلُوكِ الشَّمْسِ من وجوب إقامة الصلاة عند الوقت المذكور لأنه الواجب أو الأكمل . وقد زاد عمل النبي صلى اللّه عليه وسلّم بيانا للآية . وأما مقدار الاتساع فيعرف من أدلة أخرى وفيه خلاف بين الفقهاء . فكلمة « دلوك » لا تعادلها كلمة أخرى . وقد ثبت في حديث أبي مسعود الأنصاري في « الموطأ » : أن أول الوقت هو المقصود . وثبت في حديث عطاء بن يسار مرسلا في « الموطأ » وموصولا عن أنس بن مالك عند ابن عبد البر وغيره : أن للصبح وقتا له ابتداء ونهاية . وهو أيضا ثابت لكل صلاة بآثار كثيرة عدا المغرب فقد سكت عنها الأثر . فترددت أنظار الفقهاء فيها بين وقوف عند المروي وبين قياس وقتها على أوقات غيرها ، وهذا الثاني أرجح ، لأن امتداد وقت الصلاة توسعة على المصلي وهي تناسب تيسير الدين . وجعل الغسق نهاية للأوقات ، فعلم أن المراد أول الغسق كما هو الشأن المتعارف في الغاية بحرف ( إلى ) فعلم أن ابتداء الغسق وقت صلاة ، وهذا جمع بديع .