الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
118
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
هذا الوجه أن ذكرها كان سبب فتنة بحذف مضاف وهو ذكر بقرينة قوله : الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ لأن ما وصفت به في آيات القرآن لعن لها . ويجوز أن يكون المعنى : أن إيجادها فتنة . أي عذاب مكرر ، كما قال : إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ [ الصافّات : 63 ] . والملعونة أي المذمومة في القرآن في قوله : طَعامُ الْأَثِيمِ [ الدخان : 44 ] وقوله : طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ [ الصافات : 65 ] وقوله : كالمهل تغلي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ [ الدخان : 45 - 46 ] . وقيل معنى الملعونة : أنها موضوعة في مكان اللعنة وهي الإبعاد من الرحمة ، لأنها مخلوقة في موضع العذاب . وفي « الكشاف » : قيل تقول العرب لكل طعام ضار : ملعون . وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً . عطف على جملة وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [ الإسراء : 59 ] الدال على أنهم متصلبون في كفرهم مكابرون معاندون . وهذه زيادة في تسلية النبي صلى اللّه عليه وسلّم حتى لا يأسف من أن اللّه لم يرهم آيات ، لأن النبي صلى اللّه عليه وسلّم حريص على إيمانهم ، كما قال موسى - عليه السلام - فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس : 88 ] . ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباس قال : في الشجرة الملعونة بنو أمية . وهذا من الأخبار المختلفة عن ابن عباس ، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضاعون في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفرات من بني أمية ، وأن وصف الشجرة بأنها الملعونة في القرآن صريح في وجود آيات في القرآن ذكرت فيها شجرة ملعونة وهي شجرة الزقوم كما علمت . ومثل هذا الاختلاق خروج عن وصايا القرآن في قوله : وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ [ الحجرات : 11 ] . وجيء بصيغة المضارع في نُخَوِّفُهُمْ للإشارة إلى تخويف حاضر ، فإن اللّه خوفهم بالقحط والجوع حتى رأوا الدخان بين السماء والأرض وسألوا اللّه كشفه فقال تعالى : إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ [ الدخان : 15 ] فذلك وغيره من التخويف الذي سبق فلم يزدهم إلا طغيانا . فالظاهر أن هذه الآية نزلت في مدة حصول بعض المخوفات . وقد اختير الفعل المضارع في نُخَوِّفُهُمْ و يَزِيدُهُمْ لاقتضائه تكرر التخويف