الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
119
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتجدده ، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم . والكبير : مستعار لمعنى الشديد القوى في نوع الطغيان . وقد تقدم عند قوله تعالى : قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ في سورة البقرة [ 217 ] . [ 61 ، 62 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 61 إلى 62 ] وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) قالَ أَ رَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( 62 ) عطف على جملة وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ [ الإسراء : 60 ] أي واذكر إذ قلنا للملائكة . والمقصود من هذا هو تذكير النبي صلى اللّه عليه وسلّم بما لقي الأنبياء قبله من معاندة الأعداء والحسدة من عهد آدم حين حسده إبليس على فضله . وأنهم لا يعدمون مع ذلك معترفين بفضلهم وهم خيرة زمانهم كما كانت الملائكة نحو آدم - عليه السلام - ، وأن كلا الفريقين في كل عصر يمتّ إلى أحد الفريقين الذي في عهد آدم ، فلفريق الملائكة المؤمنون ولفريق الشيطان الكافرون ، كما أومأ إليه قوله تعالى : قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ [ الإسراء : 63 ] الآية ، ففي ذلك تسلية للنبي - عليه الصلاة والسلام - . فأمر اللّه نبيئه بأن يذكر ذلك يتضمن تذكيره إياه به ، وذكر النبي ذلك موعظة للناس بحال الفريقين لينظر العاقل أين يضع نفسه . وتفسير قصة آدم وبيان كلماتها مضى في سورة البقرة وما بعدها . والاستفهام في أَ أَسْجُدُ إنكار ، أي لا يكون . وجملة قالَ أَ أَسْجُدُ مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن استثناء إبليس من حكم السجود لم يفد أكثر من عدم السجود . وهذا يثير في نفس السامع أن يسأل عن سبب التخلف عن هذا الحكم منه ، فيجاب بما صدر منه حين الاتصاف بعدم السجود أنه عصيان لأمر اللّه ناشئ عن جهله وغروره . وقوله : طِيناً حال من اسم الموصول ، أي الذي خلقته في حال كونه طينا ، فيفيد معنى أنك خلقته من الطين . وإنما جعل جنس الطين حالا منه للإشارة إلى غلبة العنصر الترابي عليه لأن ذلك أشد في تحقيره في نظر إبليس . وجملة قالَ أَ رَأَيْتَكَ بدل اشتمال من جملة أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً باعتبار ما