الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

111

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إلى إبطال إلهيتهم المزعومة ببرهان الحسّ . وهو مشاهدة أنها لا تغني عنهم كشف الضر . فأصل ارتباط الكلام هكذا : ولقد فضلنا بعض النبيئين على بعض وآتينا داود زبورا أولئك الذين يدعون يبتغون الآية . فبمناسبة الثناء عليهم بابتهالهم إلى ربهم ذكر ضد ذلك من دعاء المشركين آلهتهم . وقدم ذلك ، على الكلام الذي أثار المناسبة ، اهتماما بإبطال فعلهم ليكون إبطاله كالغرض المقصود ويكون ذكر مقابله كالاستدلال على ذلك الغرض . ولعل هذه الآية نزلت في مدة إصابة القحط قريشا بمكّة ، وهي السبع السنون التي هي دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « اللهم اجعلها عليهم سنين كسنين يوسف » . وتسلسل الجدال وأخذ بعضه بحجز بعض حتى انتهى إلى هذه المناسبة . والملك بمعنى الاستطاعة والقدرة كما في قوله : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً [ المائدة : 17 ] ، وقوله : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً في سورة العقود [ 76 ] . والمقصود من ذلك بيان البون بين الدعاء الحق والدعاء الباطل . ومن نظائر هذا المعنى في القرآن قوله تعالى : إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ في سورة الأعراف [ 196 - 197 ] . والكشف : مستعار للإزالة . والتحويل : نقل الشيء من مكان إلى مكان ، أي لا يستطيعون إزالة الضر عن الجميع ولا إزالته عن واحد إلى غيره . [ 57 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 57 ] أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 ) والإشارة ب أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ إلى النبيئين لزيادة تمييزهم . والمعنى : أولئك الذين إن دعوا يستجب لهم ويكشف عنهم الضر ، وليسوا كالذين تدعونهم فلا يملكون كشف الضر عنكم بأنفسهم ولا بشفاعتهم عند اللّه كما رأيتم من أنهم لم يغنوا عنكم من الضر كشفا ولا صرفا . وجملة يَبْتَغُونَ حال من ضمير يَدْعُونَ أو بيان لجملة يَدْعُونَ . والوسيلة : المرتبة العالية القريبة من عظيم كالملك .