الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
112
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
و أَيُّهُمْ أَقْرَبُ يجوز أن يكون بدلا من ضمير يَبْتَغُونَ بدل بعض ، وتكون ( أي ) موصولة . والمعنى : الذي هو أقرب من رضى اللّه يبتغي زيادة الوسيلة إليه ، أي يزداد عملا للازدياد من رضى اللّه عنه واصطفائه . ويجوز أن يكون بدلا من جملة يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ، و ( أي ) استفهامية ، أي يبتغون معرفة جواب : أيهم أقرب عند اللّه . وأقرب : اسم تفضيل ، ومتعلقه محذوف دل عليه السياق . والتقدير : أيهم أقرب إلى ربهم . وذكر خوف العذاب بعد رجاء الرحمة للإشارة إلى أنهم في موقف الأدب مع ربهم فلا يزيدهم القرب من رضاه إلا إجلالا له وخوفا من غضبه . وهو تعريض بالمشركين الذين ركبوا رؤوسهم وتوغلوا في الغرور فزعموا أن شركاءهم شفعاؤهم عند اللّه . وجملة إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً تذييل . ومعنى كانَ مَحْذُوراً أن حقيقته تقتضي حذر الموفقين إذ هو جدير بذلك . [ 58 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 58 ] وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذاباً شَدِيداً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ( 58 ) لما عرض بالتهديد للمشركين في قوله : إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً [ الإسراء : 57 ] ، وتحداهم بقوله : قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ [ الإسراء : 56 ] جاء بصريح التهديد على مسمع منهم بأن كل قرية مثل قريتهم في الشرك لا يعدوها عذاب الاستيصال وهو يأتي على القرية وأهلها ، أو عذاب الانتقام بالسيف والذل والأسر والخوف والجوع وهو يأتي على أهل القرية مثل صرعى بدر ، كل ذلك في الدنيا . فالمراد : القرى الكافر أهلها لقوله تعالى : وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ في سورة هود [ 117 ] ، وقوله : وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ في سورة القصص [ 59 ] . وحذف الصفة في مثل هذا معروف كقوله تعالى : يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ الكهف : 79 ] أي كل سفينة صالحة ، بقرينة قوله : فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها [ الكهف : 79 ] . وليس المقصود شمول ذلك القرى المؤمنة ، على معنى أن لا بد للقرى من زوال