الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

11

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ولأن خبر الإسراء به إلى بيت المقدس قد شاع بين المسلمين وشاع إنكاره بين المشركين ، فصار المراد بِعَبْدِهِ معلوما . والإضافة إضافة تشريف لا إضافة تعريف لأن وصف العبودية للّه متحقق لسائر المخلوقات فلا تفيد إضافته تعريفا . والمسجد الحرام هو الكعبة والفناء المحيط بالكعبة بمكة المتخذ للعبادة المتعلقة بالكعبة من طواف بها واعتكاف عندها وصلاة . وأصل المسجد : أنه اسم مكان السجود . وأصل الحرام : الأمر الممنوع ، لأنه مشتق من الحرم - بفتح فسكون - وهو المنع ، وهو يرادف الحرم . فوصف الشيء بالحرام يكون بمعنى أنه ممنوع استعماله استعمالا يناسبه ، نحو حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] أي أكل الميتة ، وقول عنترة : حرمت علي وليتها لم تحرم أي ممنوع قربانها لأنها زوجة أبيه وذلك مذموم بينهم . ويكون بمعنى الممنوع من أن يعمل فيه عمل ما . ويبين بذكر المتعلق الذي يتعلق به . وقد لا يذكر متعلّقة إذا دل عليه العرف ، ومنه قولهم : الشَّهْرُ الْحَرامُ * [ البقرة : 194 ] أي الحرام فيه القتال في عرفهم . وقد يحذف المتعلق لقصد التكثير ، فهو من الحذف للتعميم فيرجع إلى العموم العرفي ، ففي نحو الْبَيْتَ الْحَرامَ * [ المائدة : 2 ] يراد الممنوع من عدوان المعتدين ، وغزو الملوك والفاتحين ، وعمل الظلم والسوء فيه . والحرام : فعال بمعنى مفعول ، كقولهم : امرأة حصان ، أي ممنوعة بعفافها عن الناس . فالمسجد الحرام هو المكان المعد للسجود ، أي للصلاة ، وهو الكعبة والفناء المجعول حرما لها . وهو يختلف سعة وضيقا باختلاف العصور من كثرة الناس فيه للطواف والاعتكاف والصلاة . وقد بنى قريش في زمن الجاهلية بيوتهم حول المسجد الحرام . وجعل قصي بقربه دار الندوة لقريش وكانوا يجلسون فيها حول الكعبة ، فانحصر لما أحاطت به بيوت عشائر قريش . وكانت كل عشيرة تتخذ بيوتها متجاورة . ومجموع البيوت يسمى شعبا - بكسر