الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

105

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

تلوين الأغراض وتعقيب بعضها ببعض أضدادها استقصاء لأصناف الهدى ومختلف أساليبه ونفع مختلف الناس . ولما كان ما سبق من حكاية أقوال المشركين تنبئ عن ضلال اعتقاد نقل الكلام إلى أمر المؤمنين بأن يقولوا أقوالا تعرب عن حسن النية وعن نفوس زكية . وأوتوا في ذلك كلمة جامعة وهي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . و الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ صفة لمحذوف يدل عليه فعل يَقُولُوا . تقديره : بالتي هي أحسن . وليس المراد مقالة واحدة . واسم التفضيل مستعمل في قوة الحسن . ونظيره قوله : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ النحل : 125 ] ، أي بالمجادلات التي هي بالغة الغاية في الحسن ، فإن المجادلة لا تكون بكلمة واحدة . فهذه الآية شديدة الاتصال بالتي قبلها وليست بحاجة إلى تطلب سبب لنزولها . وهذا تأديب عظيم في مراقبة اللسان وما يصدر منه . وفي الحديث الصحيح عن معاذ بن جبل : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أمره بأعمال تدخله الجنة ثم قال له : « ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ قلت : بلى يا رسول اللّه ، فأخذ بلسانه وقال : كفّ عليك هذا . قال : قلت : يا رسول اللّه وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ فقال : ثكلتك أمك وهل يكبّ الناس في النار على وجوههم ، أو قال على مناخرهم ، إلا حصائد ألسنتهم » . والمقصد الأهم من هذا التأديب تأديب الأمة في معاملة بعضهم بعضا بحسن المعاملة وإلانة القول ، لأن القول ينم عن المقاصد ، بقرينة قوله : إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ . ثم تأديبهم في مجادلة المشركين اجتنابا لما تثيره المشادة والغلظة من ازدياد مكابرة المشركين وتصلبهم فذلك من نزع الشيطان بينهم وبين عدوهم ، قال تعالى : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [ فصّلت : 34 ] . والمسلمون في مكة يومئذ طائفة قليلة وقد صرف اللّه عنهم ضر أعدائهم بتصاريف من لطفه ليكونوا آمنين ، فأمرهم أن لا يكونوا سببا في إفساد تلك الحالة . والمراد بقوله : لِعِبادِي المؤمنون كما هو المعروف من اصطلاح القرآن في هذا العنوان . وروي أن قول التي هي أحسن أن يقولوا للمشركين : يهديكم اللّه ، يرحمكم اللّه ، أي بالإيمان . وعن الكلبي : كان المشركون يؤذون أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقول والفعل ،