الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
106
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فشكوا ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه هذه الآية . وجزم يَقُولُوا على حذف لام الأمر وهو وارد كثيرا بعد الأمر بالقول ، ولك أن تجعل يَقُولُوا جوابا منصوبا في جواب الأمر مع حذف مفعول القول لدلالة الجواب عليه . والتقدير : قل لهم : قولوا التي هي أحسن يقولوا ذلك . فيكون كناية على أن الامتثال شأنهم فإذا أمروا امتثلوا . وقد تقدم نظيره في قوله : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ في سورة إبراهيم [ 31 ] . والنزغ : أصله الطعن السريع ، واستعمل هنا في الإفساد السريع الأثر . وتقدم في قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي في سورة يوسف [ 100 ] . وجملة إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ تعليل للأمر بقول التي هي أحسن . والمقصود من التعليل أن لا يستخفوا بفاسد الأقوال فإنها تثير مفاسد من عمل الشيطان . ولما كان ضمير بَيْنَهُمْ عائدا إلى عبادي كان المعنى التحذير من إلقاء الشيطان العداوة بين المؤمنين تحقيقا لمقصد الشريعة من بث الأخوة الإسلامية . روى الواحدي : أن عمر بن الخطاب شتمه أعرابي من المشركين فشتمه عمر وهمّ بقتله فكاد أن يثير فتنة فنزلت هذه الآية . وأيّا ما كان سبب النزول فهو لا يقيد إطلاق صيغة الأمر للمسلمين بأن يقولوا التي أحسن في كل حال . وجملة إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً تعليل لجملة يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ، وعلة العلة علة . وذكر ( كان ) للدلالة على أن صفة العداوة أمر مستقر في خلقته قد جبل عليه . وعداوته للإنسان متقررة من وقت نشأة آدم - عليه الصلاة والسلام - وأنه يسول للمسلمين أن يغلظوا على الكفار بوهمهم أن ذلك نصر للدين ليوقعهم في الفتنة ، فإن أعظم كيد الشيطان أن يوقع المؤمن في الشر وهو يوهمه أنه يعمل خيرا . [ 54 ] [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 54 ] رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ( 54 ) هذا الكلام متصل بقوله : نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إلى قوله : فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا [ الإسراء : 47 ، 48 ] . فإن ذلك ينطوي على ما هو شأن نجواهم من التصميم على