الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

12

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

منهم . و يَأْكُلُوا مجزوم بلام الأمر محذوفة كما تقدم بيانه عند قوله تعالى : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ في سورة إبراهيم [ 31 ] . وهو أمر للتوبيخ والتوعد والإنذار بقرينة قوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . وهو كقوله : كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ [ سورة المرسلات : 46 ] . ولا يحسن جعله مجزوما في جواب ذَرْهُمْ لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء ترك الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم دعوتهم أم دعاهم . والتمتع : الانتفاع بالمتاع . وقد تقدم غير مرة ، منها قوله : وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ في سورة الأعراف [ 24 ] . وإلهاء الأمل إياهم : هو إنساؤه إياهم ما حقهم أن يتذكروه ؛ بأن يصرفهم تطلب ما لا ينالون عن التفكير في البعث والحياة الآخرة . و الْأَمَلُ : مصدر . وهو ظن حصول أمر مرغوب في حصوله مع استبعاد حصوله . فهو واسطة بين الرجاء والطمع . ألا ترى إلى قول كعب : أرجو وآمل أن تدنو مودتها * وما إخال لدينا منك تنويل وتفرع على التعريض التصريح بالوعيد بقوله : فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بأنه مما يستعمل في الوعيد كثيرا حتى صار كالحقيقة . وفيه إشارة إلى أن لإمهالهم أجلا معلوما كقوله : وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ [ سورة الفرقان : 42 ] . [ 4 - 5 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ ( 4 ) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ( 5 ) اعتراض تذييلي لأن في هذه الجملة حكما يشملهم وهو حكم إمهال الأمم التي حق عليها الهلاك ، أي ما أهلكنا أمّة إلا وقد متّعناها زمنا وكان لهلاكها أجل ووقت محدود ، فهي ممتعة قبل حلوله ، وهي مأخوذة عند إبانه . وهذا تعريض لتهديد ووعيد مؤيد بتنظيرهم بالمكذبين السالفين . وإنما ذكر حال القرى التي أهلكت من قبل لتذكير هؤلاء بسنّة اللّه في إمهال الظالمين لئلا يغرّهم ما هم فيه من التمتع فيحسبوا أنهم أفلتوا من الوعيد . وهذا تهديد لا يقتضي أن