الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
13
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المشركين قدر اللّه أجلا لهلاكهم ، فإن اللّه لم يستأصلهم ولكن هدى كثيرا منهم إلى الإسلام بالسيف وأهلك سادتهم يوم بدر . والقرية : المدينة . وتقدمت عند قوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ في سورة البقرة [ 259 ] . والكتاب : القدر المحدود عند اللّه . شبّه بالكتاب في أنه لا يقبل الزيادة والنقص . وهو معلوم عند اللّه ، لا يضلّ ربي ولا ينسى . وجملة وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ في موضع الحال ، وكفاك علما على ذلك اقترانها بالواو فهي استثناء من عموم أحوال ، وصاحب الحال هو قَرْيَةٍ وهو وإن كان نكرة فإن وقوعها في سياق النفي سوّغ مجيء الحال منه كما سوّغ العموم صحة الإخبار عن النكرة . وجملة ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها بيان لجملة وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ لبيان فائدة التحديد : أنه عدم المجاوزة بدءا ونهاية . ومعنى ( تسبق أجلها ) تفوته ، أي تعدم قبل حلوله ، شبّه ذلك بالسبق . و يَسْتَأْخِرُونَ : يتأخرون . فالسين والتاء للتأكيد . وأنّث مفردا ضمير الأمّة مرة مراعاة للفظ ، وجمع مذكرا مراعاة للمعنى . وحذف متعلق يَسْتَأْخِرُونَ للعلم به ، أي وما يستأخرون عنه . [ 6 - 7 ] [ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 6 إلى 7 ] وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ( 6 ) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 7 ) عطف على جملة ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا [ سورة الحجر : 3 ] . والمناسبة أن المعطوف عليها تضمّنت انهماكهم في الملذّات والآمال ، وهذه تضمّنت توغّلهم في الكفر وتكذيبهم الرسالة المحمّدية . والمعنى : ذرهم يكذبون ويقولون شتى القول من التكذيب والاستهزاء . والجملة كلها من مقولهم . والنداء في يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ للتشهير بالوصف المنادى به ، واختيار الموصولية لما في الصلة من المعنى الذي جعلوه سبب التهكّم . وقرينة التهكّم قولهم :