الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

11

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لما دلّت ( ربّ ) على التقليل اقتضت أن استمرارهم على غلوائهم هو أكثر حالهم ، وهو الإعراض عما يدعوهم إليه الإسلام من الكمال النفسي ، فبإعراضهم عنه رضوا لأنفسهم بحياة الأنعام ، وهي الاقتصار على اللذات الجسدية ، فخوطب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بما يعرّض لهم بذلك من أن حياتهم حياة أكل وشرب . وذلك مما يتعيّرون به في مجاري أقوالهم كما في قول الحطيئة : دع المكارم لا تنهض لبغيتها * واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وهم منغسمون فيما يتعيّرون به في أعمالهم قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [ سورة محمد : 12 ] . وذر أمر لم يسمع له ماض في كلامهم . وهو بمعنى الترك . وتقدم في قوله : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً في سورة الأنعام [ 70 ] . والأمر بتركهم مستعمل في لازمه وهو قلة جدوى الحرص على إصلاحهم . وليس مستعملا في الإذن بمتاركتهم لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مأمور بالدوام على دعائهم . قال تعالى : وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً إلى قوله : وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ [ سورة الأنعام : 70 ] . فما أمره بتركهم إلا وقد أعقبه بأمره بالتذكير بالقرآن ؛ فعلم أن الترك مستعمل في عدم الرجاء في صلاحهم . وهذا كقول كبشة أخت عمرو بن معد يكرب في قتل أخيها عبد اللّه تستنهض أخاها عمرا للأخذ بثأره : ودع عنك عمرا إن عمرا مسالم * وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم وقد يستعمل هذا الفعل وما يراد به كناية عن عدم الاحتياج إلى الإعانة أو عن عدم قبول الوساطة كقوله تعالى : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً [ سورة المدثر : 11 ] ، وقوله : وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ [ سورة المزمل : 11 ] . وقد يستعمل في الترك المجازي بتنزيل المخاطب منزلة المتلبّس بالضدّ كقول أبي تمام : دعوني أنح من قبل نوح الحمائم * ولا تجعلوني عرضة للوائم إذ مثل هذا يقال عند اليأس والقنوط عن صلاح المرء . وقد حذف متعلق الترك لأن الفعل نزل منزلة ما لا يحتاج إلى متعلق ، إذ المعني به ترك الاشتغال بهم والبعد عنهم ، فلذلك عدّي فعل الترك إلى ذواتهم ليدل على اليأس