الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

97

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وتأنيث اسم الإشارة وهو أَيَّتُهَا لتأويل العير بمعنى الجماعة لأن الركاب هم الأهم . وجملة قالُوا جواب لنداء المنادي إياهم إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ، ففصلت الجملة لأنها في طريقة المحاورة كما تكرر غير مرة . وضمير قالُوا عائد إلى العير . وجملة وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ حال من ضمير قالُوا . ومرجع ضمير أَقْبَلُوا عائد إلى فتيان يوسف - عليه السلام - . وضمير عَلَيْهِمْ راجع إلى ما رجع إليه ضمير قالُوا ، أي وقد أقبل عليهم فتيان يوسف - عليه السلام - . وجعلوا جعلا لمن يأتي بالصواع . والذي قال : وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ واحد من المقبلين وهو كبيرهم . والزعيم : الكفيل . وهذه الآية قد جعلها الفقهاء أصلا لمشروعية الجعل والكفالة . وفيه نظر ، لأن يوسف - عليه السلام - لم يكن يومئذ ذا شرع حتى يستأنس للأخذ ب ( أنّ شرع من قبلنا شرع لنا ) : إذا حكاه كلام اللّه أو رسوله . ولو قدّر أن يوسف - عليه السلام - كان يومئذ نبيئا فلا يثبت أنه رسول بشرع ، إذ لم يثبت أنه بعث إلى قوم فرعون ، ولم يكن ليوسف - عليه السلام - أتباع في مصر قبل ورود أبيه وإخوته وأهليهم . فهذا مأخذ ضعيف . والتاء في تَاللَّهِ حرف قسم على المختار ، ويختص بالدخول على اسم اللّه تعالى وعلى لفظ رب ، ويختص أيضا بالمقسم عليه العجيب . وسيجيء عند قوله تعالى : وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ في [ سورة الأنبياء : 57 ] . وقولهم : لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ . أكدوا ذلك بالقسم لأنهم كانوا وفدوا على مصر مرة سابقة واتهموا بالجوسة فتبينت براءتهم بما صدقوا يوسف - عليه السلام - فيما وصفوه من حال أبيهم وأخيهم . فالمراد ب الْأَرْضِ المعهودة ، وهي مصر . وأما براءتهم من السرقة فبما أخبروا به عند قدومهم من وجدان بضاعتهم في رحالهم ، ولعلّها وقعت في رحالهم غلطا . على أنهم نفوا عن أنفسهم الاتّصاف بالسرقة بأبلغ مما نفوا به الإفساد عنهم ، وذلك