الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
98
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بنفي الكون سارقين دون أن يقولوا : وما جئنا لنسرق ، لأن السرقة وصف يتعيّر به ، وأما الإفساد الذي نفوه ، أي التجسس فهو مما يقصده العدوّ على عدوّه فلا يكون عارا ، ولكنه اعتداء في نظر العدوّ . وقول الفتيان فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ تحكيم ، لأنهم لا يسعهم إلا أن يعيّنوا جزاء يؤخذون به ، فهذا تحكيم المرء في ذنبه . ومعنى فَما جَزاؤُهُ : ما عقابه . وضمير جَزاؤُهُ عائد إلى الصّواع بتقدير مضاف دل عليه المقام ، أي ما جزاء سارقه أو سرقته . ومعنى إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ إن تبين كذبكم بوجود الصّواع في رحالكم . وقوله : جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ . جَزاؤُهُ الأول مبتدأ ، و مَنْ يجوز أن تكون شرطية وهي مبتدأ ثان وأن جملة وُجِدَ فِي رَحْلِهِ جملة الشرط وجملة فَهُوَ جَزاؤُهُ جواب الشرط ، والفاء رابطة للجواب ، والجملة المركبة من الشرط وجوابه خبر عن المبتدأ الأول . ويجوز أن تكون مَنْ موصولة مبتدأ ثانيا ، وجملة وُجِدَ فِي رَحْلِهِ صلة الموصول . والمعنى أن من وجد في رحله الصواع هو جزاء السرقة ، أي ذاته هي جزاء السرقة ، فالمعنى أن ذاته تكون عوضا عن هذه الجريمة ، أي أن يصير رفيقا لصاحب الصواع ليتمّ معنى الجزاء بذات أخرى . وهذا معلوم من السياق إذ ليس المراد إتلاف ذات السارق لأن السرقة لا تبلغ عقوبتها حدّ القتل . فتكون جملة فَهُوَ جَزاؤُهُ توكيدا لفظيا لجملة جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ ، لتقرير الحكم وعدم الانفلات منه ، وتكون الفاء للتفريع تفريع التأكيد على الموكّد . وقد حكم إخوة يوسف - عليه السلام - على أنفسهم بذلك وتراضوا عليه فلزمهم ما التزموه . ويظهر أن ذلك كان حكما مشهورا بين الأمم أن يسترقّ السارق . وهو قريب من استرقاق المغلوب في القتال . ولعله كان حكما معروفا في مصر لما سيأتي قريبا عند قوله تعالى : ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ [ سورة يوسف : 76 ] . وجملة كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ بقية كلام إخوة يوسف - عليه السلام - ، أي كذلك حكم قومنا في جزاء السارق الظالم بسرقته ؛ أو أرادوا أنه حكم الإخوة على من يقدّر منهم أن يظهر الصواع في رحله ، أي فهو حقيق لأن نجزيه بذلك . والإشارة ب كَذلِكَ إلى الجزاء المأخوذ من نَجْزِي ، أي نجزي الظالمين جزاء