الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

80

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ الآية [ سورة يوسف : 50 ] . وقوله : قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ - إلى قوله - وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ [ سورة يوسف : 51 - 52 ] اعتراض في خلال كلام يوسف - عليه السّلام - . وبذلك فسّرها مجاهد وقتادة وأبو صالح وابن جريج والحسن والضحّاك والسدّي وابن جبير ، واقتصر عليه الطبري . قال في « الكشاف » : ( وكفى بالمعنى دليلا قائدا إلى أن يجعل من كلام يوسف - عليه السّلام - ، ونحوه قوله : قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ - ثم قال - فَما ذا تَأْمُرُونَ [ سورة الأعراف : 109 - 110 ] وهو من كلام فرعون يخاطبهم ويستشيرهم ) اه . يريد أن معنى هذه الجملة أليق بأن يكون من كلام يوسف - عليه السّلام - لأن من شأنه أن يصدر عن قلب مليء بالمعرفة . وعلى هذا الوجه يكون ضمير الغيبة في قوله : لَمْ أَخُنْهُ [ سورة يوسف : 52 ] عائدا إلى معلوم من مقام القضية وهو العزيز ، أي لم أخن سيدي في حرمته حال مغيبه . ويكون معنى وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إلخ . . مثل ما تقدم قصد به التواضع ، أي لست أقول هذا ادعاء بأن نفسي بريئة من ارتكاب الذنوب إلا مدة رحمة اللّه النفس بتوفيقها لأكف عن السوء ، أي أني لم أفعل ما اتهمت به وأنا لست بمعصوم . [ 54 ، 55 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 54 إلى 55 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) السين والتاء في أَسْتَخْلِصْهُ للمبالغة ، مثلها في استجاب واستأجر . والمعنى أجعله خالصا لنفسي ، أي خاصّا بي لا يشاركني فيه أحد . وهذا كناية عن شدة اتصاله به والعمل معه . وقد دلّ الملك على استحقاق يوسف - عليه السّلام - تقريبه منه ما ظهر من حكمته وعلمه ، وصبره على تحمّل المشاق ، وحسن خلقه ، ونزاهته ، فكل ذلك أوجب اصطفاءه . وجملة فَلَمَّا كَلَّمَهُ مفرّعة على جملة محذوفة دل عليها وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ . والتقدير : فأتوه به ، أي بيوسف - عليه السّلام - فحضر لديه وكلّمه فَلَمَّا كَلَّمَهُ . والضمير المنصوب في كَلَّمَهُ عائد إلى الملك ، فالمكلّم هو يوسف - عليه السّلام - . والمقصود من جملة فَلَمَّا كَلَّمَهُ إفادة أن يوسف - عليه السّلام - كلم