الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
81
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الملك كلاما أعجب الملك بما فيه من حكمة وأدب . ولذلك فجملة قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ جواب ( لمّا ) . والقائل هو الملك لا محالة . والمكين : صفة مشبهة من مكن - بضم الكاف - إذا صار ذا مكانة ، وهي المرتبة العظيمة ، وهي مشتقة من المكان . والأمين : فعيل بمعنى مفعول ، أي مأمون على شيء ، أي موثوق به في حفظه . وترتّب هذا القول على تكليمه إياه دالّ على أن يوسف - عليه السّلام - كلّم الملك كلام حكيم أديب فلما رأى حسن منطقه وبلاغة قوله وأصالة رأيه رآه أهلا لثقته وتقريبه منه . وهذه صيغة تولية جامعة لكل ما يحتاج إليه ولي الأمر من الخصال ، لأن المكانة تقتضي العلم والقدرة ؛ إذ بالعلم يتمكن من معرفة الخير والقصد إليه ، وبالقدرة يستطيع فعل ما يبدو له من الخير ؛ والأمانة تستدعي الحكمة والعدالة ، إذ بالحكمة يؤثر الأفعال الصالحة ويترك الشهوات الباطلة ، وبالعدالة يوصل الحقوق إلى أهلها . وهذا التنويه بشأنه والثناء عليه تعريض بأنه يريد الاستعانة به في أمور مملكته وبأن يقترح عليه ما يرجو من خير ، فلذلك أجابه بقوله : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ . وجملة قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ حكاية جوابه لكلام الملك ولذلك فصلت على طريقة المحاورات . و عَلى هنا للاستعلاء المجازي ، وهو التصرف والتمكن ، أي اجعلني متصرّفا في خزائن الأرض . و خَزائِنِ جمع خزانة - بكسر الخاء - ، أي البيت الذي يختزن فيه الحبوب والأموال . والتعريف في الْأَرْضِ تعريف العهد ، وهي الأرض المعهودة لهم ، أي أرض مصر . والمراد من خَزائِنِ الْأَرْضِ خزائن كانت موجودة ، وهي خزائن الأموال ؛ إذ لا يخلو سلطان من خزائن معدودة لنوائب بلاده لا الخزائن التي زيدت من بعد لخزن الأقوات استعدادا للسنوات المعبر عنها بقوله : مِمَّا تُحْصِنُونَ [ سورة يوسف : 48 ] .