الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

77

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ونفي علمهن ذلك كناية عن نفي دعوتهن إياه إلى السوء ونفي دعوته إياهن إليه لأن ذلك لو وقع لكان معلوما عندهن ، ثم إنهن لم يزدن في الشهادة على ما يتعلق بسؤال الملك فلم يتعرضن لإقرار امرأة العزيز في مجلسهن بأنها راودته عن نفسه فاستعصم ، خشية منها ، أو مودّة لها ، فاقتصرن على جواب ما سئلن عنه . وهذا يدل على كلام محذوف وهو أن امرأة العزيز كانت من جملة النسوة اللاتي أحضرهن الملك . ولم يشملها قول يوسف - عليه السّلام - : ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [ سورة يوسف : 5 ] لأنها لم تقطّع يدها معهن ، ولكن شملها كلام الملك إذ قال : إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ فإن المراودة إنما وقعت من امرأة العزيز دون النسوة اللاتي أعدّت لهن متكئا ، ففي الكلام إيجاز حذف . وجملة قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ مفصولة لأنها حكاية جواب عن سؤال الملك . والآن : ظرف للزمان الحاضر ، وقد تقدم عند قوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ في سورة الأنفال [ 66 ] . و حَصْحَصَ : ثبت واستقر . و الْحَقُّ : هو براءة يوسف - عليه السّلام - مما رمته به امرأة العزيز ، وإنما ثبت حينئذ لأنه كان محل قيل وقال وشك ، فزال ذلك باعترافها بما وقع . والتعبير بالماضي مع أنه لم يثبت إلا من إقرارها الذي لم يسبق لأنه قريب الوقوع فهو لتقريب زمن الحال من المضي . ويجوز أن يكون المراد ثبوت الحق بقول النسوة ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ فيكون الماضي على حقيقته . وتقديم اسم الزمان للدلالة على الاختصاص ، أي الآن لا قبله للدلالة على أن ما قبل ذلك الزمان كان زمن باطل وهو زمن تهمة يوسف - عليه السّلام - بالمراودة ، فالقصر قصر تعيين إذ كان الملك لا يدري أي الوقتين وقت الصدق أهو وقت اعتراف النسوة بنزاهة يوسف - عليه السّلام - أم هو وقت رمي امرأة العزيز إياه بالمراودة . وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي في جملة أَنَا راوَدْتُهُ للقصر ، لإبطال أن يكون النسوة راودنه . فهذا إقرار منها على نفسها ، وشهادة لغيرها بالبراءة ، وزادت فأكدت صدقه ب ( إن ) واللام .