الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

78

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وصيغة لَمِنَ الصَّادِقِينَ كما تقدم في نظائرها ، منها قوله تعالى : قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ في سورة الأنعام [ 56 ] . [ 52 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 52 ] ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) ظاهر نظم الكلام أن الجملة من قول امرأة العزيز ، وعلى ذلك حمله الأقل من المفسرين ، وعزاه ابن عطية إلى فرقة من أهل التأويل ، ونسب إلى الجبائي ، واختاره الماوردي ، وهو في موقع العلة لما تضمنته جملة أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ [ سورة يوسف : 51 ] وما عطف عليها من إقرار ببراءة يوسف - عليه السّلام - بما كانت رمته به . فالإشارة بذلك إلى الإقرار المستفاد من جملة أَنَا راوَدْتُهُ أي ذلك الإقرار ليعلم يوسف - عليه السّلام - أني لم أخنه . واللام في لِيَعْلَمَ لام كي ، والفعل بعدها منصوب ب ( أن ) مضمرة ، فهو في تأويل المصدر ، وهو خبر عن اسم الإشارة . والباء في بِالْغَيْبِ للملابسة أو الظرفية ، أي في غيبته ، أي لم أرمه بما يقدح فيه في مغيبه . ومحل المجرور في محل الحال من الضمير المنصوب . والخيانة : هي تهمته بمحاولة السوء معها كذبا ، لأن الكذب ضد أمانة القول بالحق . والتعريف في الغيب تعريف الجنس . تمدحت بعدم الخيانة على أبلغ وجه إذ نفت الخيانة في المغيب وهو حائل بينه وبين دفاعه عن نفسه ، وحالة المغيب أمكن لمريد الخيانة أن يخون فيها من حالة الحضرة ، لأن الحاضر قد يتفطن لقصد الخائن فيدفع خيانته بالحجة . و أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ عطف على لِيَعْلَمَ وهو علة ثانية لإصداعها بالحق ، أي ولأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين . والخبر مستعمل في لازم الفائدة وهو كون المتكلم عالما بمضمون الكلام ، لأن علة إقرارها هو علمها بأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين . ومعنى لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ لا ينفذه ولا يسدده . فأطلقت الهداية التي هي الإرشاد إلى الطريق الموصلة على تيسير الوصول ، وأطلق نفيها على نفي ذلك التيسير ، أي أن سنة اللّه في الكون جرت على أن فنون الباطل وإن راجت أوائلها لا تلبث أن تنقشع