الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
76
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ من كلام يوسف - عليه السّلام - . وهي تذييل وتعريض بأن الكشف المطلوب سينجلي عن براءته وظهور كيد الكائدات له ثقة باللّه ربه أنه ناصره . وإضافة كيد إلى ضمير النسوة لأدنى ملابسة لأن الكيد واقع من بعضهن ، وهي امرأة العزيز في غرضها من جمع النسوة فأضيف إلى ضمير جماعتهن قصدا للإبهام المعين على التبيان . [ 51 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 51 ] قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) جملة قالَ ما خَطْبُكُنَّ مستأنفة استئنافا بيانيا لأن الجمل التي سبقتها تثير سؤالا في نفس السامع عما حصل من الملك لمّا أبلغ إليه اقتراح يوسف - عليه السّلام - مع شدة تشوقه إلى حضوره بين يديه ، أي قال الملك للنسوة . ووقوع هذا بعد جملة ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ [ سورة يوسف : 50 ] إلى آخرها مؤذن بكلام محذوف ، تقديره : فرجع فأخبر الملك فأحضر الملك النسوة اللائي كانت جمعتهن امرأة العزيز لمّا أعتدت لهنّ متّكأ فقال لهن : ما خَطْبُكُنَّ إلى آخره . وأسندت المراودة إلى ضمير النسوة لوقوعها من بعضهن غير معين ، أو لأن القالة التي شاعت في المدينة كانت مخلوطة ظنا أن المراودة وقعت في مجلس المتّكأ . والخطب : الشأن المهم من حالة أو حادثة . قيل : سمي خطبا لأنه يقتضي أن يخاطب المرء صاحبه بالتساؤل عنه . وقيل : هو مأخوذ من الخطبة ، أي يخطب فيه ، وإنما تكون الخطبة في أمر عظيم ، فأصله مصدر بمعنى المفعول ، أي مخطوب فيه . وجملة قُلْنَ مفصولة لأجل كونها حكاية جواب عن كلام الملك أي قالت النسوة عدا امرأة العزيز ، بقرينة قوله بعد : قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ . و حاشَ لِلَّهِ مبالغة في النفي والتنزيه . والمقصود : التبرؤ مما نسب إليهن من المراودة . وقد تقدم تفسيرها آنفا واختلاف القراء فيها . وجملة ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ مبينة لإجمال النفي الذي في حاشَ لِلَّهِ . وهي جامعة لنفي مراودتهن إياه ومراودته إياهن لأن الحالتين من أحوال السوء .