الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

62

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الغرض ، وهي حال الإنباء بتأويل الرؤيا وحال عدمه ، أي لا يأتي الطعام المعتاد إلا في حال أني قد نبأتكما بتأويل رؤياكما ، أي لا في حال عدمه . فالقصر المستفاد من الاستثناء إضافي . وجردت جملة الحال من الواو ( وقد ) مع أنها ماضية اكتفاء بربط الاستثناء كقوله تعالى : وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ [ سورة التوبة : 121 ] . وجملة ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي استئناف بياني ، لأنّ وعده بتأويل الرؤيا في وقت قريب يثير عجب السائلين عن قوة علمه وعن الطريقة التي حصل بها هذا العلم ، فيجيب بأن ذلك مما علمه اللّه تخلصا إلى دعوتهما للإيمان بإله واحد . وكان القبط مشركين يدينون بتعدد الآلهة . وقوله : مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إيذان بأنّه علّمه علوما أخرى ، وهي علوم الشريعة والحكمة والاقتصاد والأمانة كما قال : اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [ سورة يوسف : 55 ] . وزاد في الاستيناف البياني جملة إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ لأن الإخبار بأن اللّه علّمه التّأويل وعلوما أخرى مما يثير السؤال عن وسيلة حصول هذا العلم ، فأخبر بأن سبب عناية اللّه به أنّه انفرد في ذلك المكان بتوحيد اللّه وترك ملة أهل المدينة ، فأراد اللّه اختياره لديهم ، ويجوز كون الجملة تعليلا . والملة : الدين ، تقدم في قوله : دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً في سورة الأنعام [ 161 ] . وأراد بالقوم الذين لا يؤمنون باللّه ما يشمل الكنعانيين الذين نشأ فيهم والقبط الذين شبّ بينهم ، كما يدلّ عليه قوله : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها [ سورة يوسف : 39 ] ، أو أراد الكنعانيين خاصة ، وهم الذين نشأ فيهم تعريضا بالقبط الذين ماثلوهم في الإشراك . وأراد بهذا أن لا يواجههم بالتشنيع استنزالا لطائر نفورهم من موعظته . وزيادة ضمير الفصل في قوله : هُمْ كافِرُونَ أراد به تخصيص قوم منهم بذلك وهم الكنعانيون ، لأنهم كانوا ينكرون البعث مثل كفار العرب . وأراد بذلك إخراج القبط لأن القبط وإن كانوا مشركين فقد كانوا يثبتون بعث الأرواح والجزاء .