الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

63

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والترك : عدم الأخذ للشيء مع إمكانه . أشار به إلى أنه لم يتبع ملة القبط مع حلوله بينهم ، وكون مولاه متدينا بها . وذكر آباءه تعليما بفضلهم ، وإظهارا لسابقية الصلاح فيه ، وأنه متسلسل من آبائه ، وقد عقله من أول نشأته ثم تأيد بما علّمه ربّه فحصل له بذلك الشرف العظامي والشرف العصامي . ولذلك قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما سئل عن أكرم الناس : « يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم نبيء ابن نبيء ابن نبيء ابن نبيء » . ومثل هذه السلسلة في النبوءة لم يجتمع لأحد غير يوسف - عليه السّلام - إذا كان المراد بالنبوءة أكملها وهو الرسالة ، أو إذا كان إخوة يوسف - عليه السّلام - غير أنبياء على رأي فريق من العلماء . وأراد باتّباع ملّة آبائه اتباعها في أصولها قبل أن يعطى النبوءة إذا كان فيما أوحي إليه زيادة على ما أوحي به إلى آبائه من تعبير الرؤيا والاقتصاد ؛ أو أن نبوءته كانت بوحي مثل ما أوحي به إلى آبائه ، كقوله تعالى : شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً - إلى قوله - أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ سورة الشورى : 13 ] . وذكر السلف الصالح في الحقّ يزيد دليل الحقّ تمكّنا ، وذكر ضدهم في الباطل لقصد عدم الحجة بهم بمجردهم . كما في قوله الآتي : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ [ سورة يوسف : 40 ] . وجملة ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ في قوة البيان لما اقتضته جملة وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي من كون التوحيد صار كالسجية لهم عرف بها أسلافه بين الأمم ، وعرّفهم بها لنفسه في هذه الفرصة . ولا يخفى ما تقتضيه صيغة الجحود من مبالغة انتفاء الوصف على الموصوف ، كما تقدم في قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ في سورة آل عمران [ 79 ] ، وعند قوله تعالى : قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ في آخر سورة العقود [ 116 ] . و مِنْ في قوله : مِنْ شَيْءٍ مزيدة لتأكيد النفي . وأدخلت على المقصود بالنفي . وجملة ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا زيادة في الاستئناف والبيان لقصد الترغيب في اتباع دين التوحيد بأنه فضل . وقوله : وَعَلَى النَّاسِ أي الذين يتبعونهم ، وهو المقصود من الترغيب بالجملة . وأتى بالاستدراك بقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ للتصريح بأن حال