الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

238

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

المخاطبين فالمراد منها التعريض بالكافرين بأنهم لا يخافون وعيد اللّه ، ولولا ذلك لكانت جملة خافَ مَقامِي تغني عن هذه الجملة ، فإن المشركين لم يعبئوا بوعيد اللّه وحسبوه عبثا ، قال تعالى : وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ * [ سورة الحج : 47 ] ، ولذلك لم يجمع بينهما في سورة البينة [ 8 ] ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ، لأنه في سياق ذكر نعيم المؤمنين خاصة . وهذه الآية في ذكر إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم فكان المقام للفريقين ، فجمع في جزاء المؤمنين بإدماج التعريض بوعي الكافرين ، وفي الجمع بينهما دلالة على أن من حق المؤمن أن يخاف غضب ربه وأن يخاف وعيده ، والذين يخافون غضب اللّه ووعيده هم المتقون الصالحون ، فآل معنى الآية إلى معنى الآية الأخرى أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [ سورة الأنبياء : 105 ] . وقرأ الجمهور وَعِيدِ بدون ياء وصلا ووقفا . وقرأه ورش عن نافع - بدون ياء - في الوقف وبإثباتها في الوصل . وقرأه يعقوب - بإثبات الياء - في حالي الوصل والوقف . وكل ذلك جائز في ياء المتكلم الواقعة مضافا إليها في غير النداء . وفيها في النداء لغتان أخريان . [ 15 - 17 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 15 إلى 17 ] وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ( 15 ) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) جملة وَاسْتَفْتَحُوا يجوز أن تكون معطوفة على جملة فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ ، أو معترضة بين جملة وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ وبين جملة وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ . والمعنى : أنهم استعجلوا النصر . وضمير اسْتَفْتَحُوا عائد إلى الرسل ، ويكون جملة وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ عطفا على جملة فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ إلخ ، أي فوعدهم اللّه النصر وخاب الذين كفروا ، أي لم يتحقق توعدهم الرسل بقولهم : لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا . ومقتضى الظاهر أن يقال : وخاب الذين كفروا ، فعدل عنه إلى كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ للتنبيه على أن الذين كفروا كانوا جبابرة عنداء وأن كل جبار عنيد يخيب . ويجوز أن تكون جملة اسْتَفْتَحُوا عطفا على جملة وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ ويكون ضمير اسْتَفْتَحُوا عائدا على الذين كَفَرُوا ، أي وطلبوا النصر على رسلهم فخابوا في ذلك . ولكون في قوله : وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ إظهار في مقام الإضمار عدل