الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

239

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عن أن يقال : وخابوا ، إلى قوله : كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ لمثل الوجه الذي ذكر آنفا . والاستفتاح : طلب الفتح وهو النصر ، قال تعالى : إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [ سورة الأنفال : 19 ] . والجبار : المتعاظم الشديد التكبر . والعنيد المعاند للحق . وتقدما في قوله : وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ في سورة هود [ 59 ] . والمراد بهم المشركون المتعاظمون ، فوصف جَبَّارٍ خلق نفساني ، ووصف عَنِيدٍ من أثر وصف جَبَّارٍ لأن العنيد المكابر المعارض للحجة . وبين خافَ وَعِيدِ و خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ جناس مصحف . وقوله : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ صفة ل جَبَّارٍ عَنِيدٍ ، أي خاب الجبّار العنيد في الدنيا وليس ذلك حظه من العقاب بل وراءه عقاب الآخرة . والوراء : مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد ، فاستعير لذلك بجامع الغفلة عن الحصول كالشئ الذي يكون من وراء المرء لا يشعر به لأنه لا يراه ، كقوله تعالى : وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً [ سورة الكهف : 79 ] ، أي وهم غافلون عنه ولو ظفر بهم لا فتك سفينتهم ، وقول هدبة بن خشرم : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب وأما إطلاق الوراء على معنى من بعد فاستعمال آخر قريب من هذا وليس عينه . والمعنى : أن جهنم تنتظره ، أي فهو صائر إليها بعد موته . والصديد : المهلة ، أي مثل الماء يسيل من الدمل ونحوه ، وجعل الصديد ماء على التشبيه البليغ في الإسقاء ، لأن شأن الماء أن يسقى . والمعنى : ويسقى صديدا عوض الماء إن طلب الإسقاء ، ولذلك جعل صَدِيدٍ عطف بيان ل ماءٍ . وهذا من وجوه التشبيه البليغ . وعطف جملة يُسْقى على جملة مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ لأن السقي من الصديد شيء زائد على نار جهنم . والتجرع : تكلف الجرع ، والجرع ؛ بلع الماء .