الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
237
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والخطاب في لَنُسْكِنَنَّكُمُ للرسل والذين آمنوا بهم ، فلا يقتضي أن يسكن الرسول بأرض عدوه بل يكفي أن يكون له السلطان عليها وأن يسكنها المؤمنون ، كما مكن اللّه لرسوله مكة وأرض الحجاز وأسكنها الذين آمنوا بعد فتحها . ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ ( 14 ) . ذلِكَ إشارة إلى المذكور من الإهلاك والإسكان المأخوذين من لَنُهْلِكَنَّ ، و لَنُسْكِنَنَّكُمُ . عاد إليهما اسم الإشارة بالإفراد بتأويل المذكور ، كقوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً [ سورة الفرقان : 68 ] . واللام للملك ، أي ذلك عطاء وتمليك لمن خاف مقامي ، كقوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ [ سورة البينة : 8 ] . والمعنى : ذلك الوعد لمن خاف مقامي ، أي ذلك لكم لأنكم خفتم مقامي ، فعدل عن ضمير الخطاب إلى لِمَنْ خافَ مَقامِي لدلالة الموصول على الإيماء إلى أن الصلة علة في حصول تلك العطية . ومعنى خافَ مَقامِي خافني ، فلفظ مقام مقحم للمبالغة في تعلق الفعل بمفعوله ، كقوله تعالى : وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ [ الرحمن : 46 ] ، لأن المقام أصله مكان القيام ، وأريد فيه بالقيام مطلق الوجود لأن الأشياء تعتبر قائمة ، فإذا قيل خافَ مَقامِي كان فيه من المبالغة ما ليس في ( خافني ) بحيث إن الخوف يتعلق بمكان المخوف منه . كما يقال : قصّر في جانبي . ومنه قوله تعالى : عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ سورة الزمر : 56 ] . وكل ذلك كناية عن المضاف إليه كقول زياد الأعجم : إن السماحة والمروءة والندى * في قبة ضربت على ابن الحشرج أي في ابن الحشرج من غير نظر إلى وجود قبة . ومنه ما في الحديث « إن اللّه لما خلق الرحم أخذت بساق العرش وقالت : هذا مقام العائذ بك من القطيعة » ، أي هذا العائذ بك القطيعة . وخوف اللّه : هو خوف غضبه لأن غضب اللّه أمر مكروه لدى عبيده . وعطف جملة وَخافَ وَعِيدِ على خافَ مَقامِي مع إعادة فعل خافَ دون اكتفاء بعطف وَعِيدِ على مَقامِي لأن هذه الصلة وإن كان صريحها ثناء على