الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
231
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد يعدّى بلام التعليل داخلة على ما جعل سببا للدعوة فإن العلة تدل على المعلول ، كقوله تعالى : وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ [ سورة نوح : 7 ] ، أي دعوتهم إلى سبب المغفرة لتغفر ، أي دعوتهم إلى الإيمان لتغفر لهم ، وهو في هذه الآية كذلك ، أي يدعوكم إلى التوحيد ليغفر لكم من ذنوبكم . وقد يعدى فعل الدعوة إلى المدعو إليه باللام تنزيلا للشيء الذي يدعى إلى الوصول إليه منزلة الشيء الذي لأجله يدعى ، كقول أعرابي من بني أسد : دعوت لما نابني مسورا * فلبّى فلبي يدي مسور قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ . أرادوا إفحام الرسل بقطع المجادلة النظرية ، فنفوا اختصاص الرسل بشيء زائد في صورتهم البشرية يعلم به أن اللّه اصطفاهم دون غيرهم بأن جعلهم رسلا عنه ، وهؤلاء الأقوام يحسبون أن هذا أقطع لحجة الرسل لأن المماثلة بينهم وبين قومهم محسوسة لا تحتاج إلى تطويل في الاحتجاج ، فلذلك طالبوا رسلهم أن يأتوا بحجة محسوسة تثبت أن اللّه اختارهم للرسالة عنه ، وحسبانهم بذلك التعجيز . فجملة تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا في موضع الحال ، وهي قيد لما دل عليه الحصر في جملة إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا من جحد كونهم رسلا من اللّه بالدّين الذي جاءوهم به مخالفا لدينهم القديم ، فبذلك الاعتبار كان موقع التفريع لجملة فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ لأن مجرّد كونهم بشرا لا يقتضي مطالبتهم بالإتيان بسلطان مبين وإنما اقتضاه أنهم جاءوهم بإبطال دين قومهم ، وهو مضمون ما أرسلوا به . وقد عبّروا عن دينهم بالموصولية لما تؤذن به الصلة من التنويه بدينهم بأنه متقلّد آبائهم الذين يحسبونهم معصومين من اتباع الباطل ، وللأمم تقديس لأسلافها فلذلك عدلوا عن أن يقولوا : تريدون أن تصدّونا عن ديننا . والسلطان : الحجة . وقد تقدّم في قوله : أَ تُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ في سورة الأعراف [ 71 ] . المبين الواضح الذي لا احتمال فيه لغير ما دل عليه .