الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

232

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 11 ، 12 ] [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 11 إلى 12 ] قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 12 ) قول الرسل إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ جواب بطريق القول بالموجب في علم آداب البحث ، وهو تسليم الدليل مع بقاء النزاع ببيان محل الاستدلال غير تام الإنتاج ، وفيه إطماع في الموافقة . ثم كرّ على استدلالهم المقصود بالإبطال بتبيين خطئهم . ونظيره قوله تعالى : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [ سورة المنافقون : 8 ] . وهذا النوع من القوادح في علم الجدل شديد الوقع على المناظر ، فليس قول الرسل إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ تقريرا للدليل ولكنه تمهيد لبيان غلط المستدل في الاستنتاج من دليله . ومحل البيان هو الاستدراك في قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [ سورة إبراهيم : 11 ] . والمعنى : أن المماثلة في البشرية لا تقتضي المماثلة في زائد عليها فالبشر كلهم عباد اللّه واللّه يمنّ على من يشاء من عباده بنعم لم يعطها غيرهم . فالاستدراك رفع لما توهموه من كون المماثلة في البشرية مقتضى الاستواء في كل خصلة . وأورد الشيخ محمّد بن عرفة في « التفسير » وجها للتفرقة بين هذه الآية إذ زيد فيها كلمة لَهُمْ في قوله : قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ [ سورة إبراهيم : 10 ] وبين الآية التي قبلها إذ قال فيها قالَتْ رُسُلُهُمْ بوجهين : أحدهما : أن هذه المقالة خاصة بالمكذّبين من قومهم يقولونها لغيرهم إذ هو جواب عن كلام صدر منهم والمقالة الأولى يقولونها لهم ولغيرهم ، أي للمصدقين والمكذبين . وثانيهما : أن وجود اللّه أمر نظري ، فكان كلام الرسل في شأنه خطابا لعموم قومهم ، وأما بعثة الرسل فهي أمر ضروري ظاهر لا يحتاج إلى نظر ، فكأنه قال : ما قالوا هذا إلا للمكذبين لغباوتهم وجهلهم لا لغيرهم . وأجاب الأبي أن أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ خطاب لمن عاند في أمر ضروري ، فكأنّ