الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

193

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإسراء : 50 ] ، وكما تقول للذي يخطئ في كلامه : قل ما شئت . والمعنى : إن هي إلا أسماء سميتموها لا مسميات لها بوصف الإلهيّة لأنها حجارة لا صفات لها من صفات التصرف . وهذا كقوله تعالى : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ [ سورة يوسف : 40 ] وقوله : إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها [ سورة النجم : 23 ] . وهذا إفحام لهم وتسفيه لأحلامهم بأنهم ألّهوا ما لا حقائق لها فلا شبهة لهم في ذلك ، كقوله تعالى : أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ [ سورة الرعد : 16 ] . وقد تمحل المفسرون في تأويل قُلْ سَمُّوهُمْ بما لا محصّل له من المعنى . ثم أضرب عن ذلك بجملة أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ وهي أَمْ المنقطعة . ودلت أَمْ على أن ما بعدها في معنى الاستفهام ، وهو إنكاري توبيخي ، أي ما كان لكم أن تفتروا على اللّه فتضعوا له شركاء لم ينبئكم لوجودهم ، فقوله : بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ كناية عن غير الموجود لأن ما لا يعلمه اللّه لا وجود له إذ لو كان موجودا لم يخف على علم العلام بكل شيء . وتقييد ذلك ب الْأَرْضِ لزيادة تجهيلهم لأنه لو كان يخفى عن علمه شيء لخفي عنه ما لا يرى ولما خفيت عنه موجودات عظيمة بزعمكم . وفي سورة يونس [ 18 ] قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ زيادة في التعميم . و أَمْ الثانية متصلة هي معادلة همزة الاستفهام المقدرة في أَمْ تُنَبِّئُونَهُ . وإعادة الباء للتأكيد بعد أَمْ العاطفة . والتقدير : بل أتنبئونه بما لا يعلم في الأرض بل أتنبئونه بظاهر من القول . وليس الظاهر هنا مشتقا من الظهور بمعنى الوضوح بل هو مشتق من الظهور بمعنى الزوال كناية عن البطلان ، أي بمجرد قبول لا ثبات له وليس بحق ، كقول أبي ذؤيب : وتلك شكاة ظاهر عنك عارها وقول سبرة بن عمرو الفقعسي : أعيّرتنا ألبانها ولحومها * وذلك عاريا يا ابن ريطة ظاهر وقوله : بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ إضراب عن الاحتجاج عليهم بإبطال إلهية