الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

192

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الرقيب عدي بحرف عَلى المفيد للاستعلاء المجازي . وأصله من القيام وهو الملازمة كقوله : إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً [ سورة آل عمران : 75 ] . ويجيء من معنى القائم أنه العليم بحال كل شيء لأن تمام القيومية يتوقف على إحاطة العلم . فمعنى قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ متولّيها ومدبّرها في جميع شؤونها في الخلق والأجل والرزق ، والعالم بأحوالها وأعمالها ، فكان إطلاق وصف قائِمٌ هنا من إطلاق المشترك على معنييه . والمشركون لا ينازعون في انفراد اللّه بهذا القيام ولكنهم لا يراعون ذلك في عبادتهم غيره ، فمن أجل ذلك لزمتهم الحجة ولمراعاة هذا المعنى تعلق قائم بقوله : عَلى كُلِّ نَفْسٍ ليعم القيام سائر شؤونها . والباء في قوله : بِما كَسَبَتْ للملابسة . وهي في موقع الحال من نَفْسٍ أو من قائِمٌ باعتبار ما يقتضيه القيام من العلم ، أي قياما ملابسا لما عملته كل نفس ، أي قياما وفاقا لأعمالها من عمل خير يقتضي القيام عليها باللطف والرضى فتظهر آثار ذلك في الدنيا والآخرة لقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ سورة النحل : 97 ] ، وقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [ سورة النور : 55 ] ؛ أو من عمل شر يقتضي قيامه على النفس بالغضب والبلايا . ففي هذه الصلة بعمومها تبشير وتهديد لمن تأمل من الفريقين . فهذا تعريض بالأمرين للفريقين أفادته صلة الموصول . وجملة وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في موضع الحال ، والواو للحال ، أي والحال جعلوا له شركاء . وإظهار اسم الجلالة إظهار في مقام الإتيان بضمير فَمَنْ هُوَ قائِمٌ . وفائدة هذا الإظهار التعبير عن المسمى باسمه العلم الذي هو الأصل إذ كان قد وقع الإيفاء بحق العدول عنه إلى الموصول في الجملة السابقة فتهيأ المقام للاسم العلم ، وليكون تصريحا بأنه المراد من الموصول السابق زيادة في التصريح بالحجة . وجملة قُلْ سَمُّوهُمْ استئناف أعيد معها الأمر بالقول لاسترعاء الأفهام لوعي ما سيذكر . وهذه كلمة جامعة ، أعني جملة سَمُّوهُمْ ، وقد تضمنت ردا عليهم . فالمعنى : سموهم شركاء فليس لهم حظ إلا التسمية ، أي دون مسمى الشريك ، فالأمر مستعمل في معنى الإباحة كناية عن قلة المبالاة بادعائهم أنهم شركاء مثل قُلْ كُونُوا حِجارَةً [ سورة