الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

19

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إخوته . وعداوة الشيطان لجنس الإنسان تحمله على أن يدفعهم إلى إضرار بعضهم ببعض . وظاهر الآية أن يوسف - عليه السّلام - لم يقص رؤياه على إخوته وهو المناسب لكماله الذي يبعثه على طاعة أمر أبيه . ووقع في الإسرائيليات أنه قصّها عليهم فحسدوه . [ 6 ] [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 6 ] وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) عطف هذا الكلام على تحذيره من قصّ الرؤيا على إخوته إعلاما له بعلوّ قدره ومستقبل كماله ، كي يزيد تمليا من سموّ الأخلاق فيتسع صدره لاحتمال أذى إخوته ، وصفحا عن غيرتهم منه وحسدهم إيّاه ليتمحّض تحذيره للصلاح ، وتنتفي عنه مفسدة إثارة البغضاء ونحوها ، حكمة نبويّة عظيمة وطبّا روحانيّا ناجعا . والإشارة في قوله : وَكَذلِكَ إلى ما دلّت عليه الرؤيا من العناية الربّانيّة به ، أي ومثل ذلك الاجتباء يجتبيك ربّك في المستقبل ، والتّشبيه هنا تشبيه تعليل لأنّه تشبيه أحد المعلولين بالآخر لاتّحاد العلّة . وموقع الجار والمجرور موقع المفعول المطلق ل يَجْتَبِيكَ المبيّن لنوع الاجتباء ووجهه . والاجتباء : الاختيار والاصطفاء . وتقدّم في قوله تعالى : وَاجْتَبَيْناهُمْ في سورة الأنعام [ 87 ] ، أي اختياره من بين إخوته ، أو من بين كثير من خلقه . وقد علم يعقوب - عليه السّلام - ذلك بتعبير الرؤيا ودلالتها على رفعة شأنه في المستقبل فتلك إذا ضمّت إلى ما هو عليه من الفضائل آلت إلى اجتباء اللّه إياه ، وذلك يؤذن بنبوته . وإنّما علم يعقوب - عليه السّلام - أنّ رفعة يوسف - عليه السّلام - في مستقبله رفعة إلهية لأنّه علم أن نعم اللّه تعالى متناسبة فلمّا كان ما ابتدأه به من النعم اجتباء وكمالا نفسيّا تعيّن أن يكون ما يلحق بها ، من نوعها . ثم إنّ ذلك الارتقاء النفساني الذي هو من الواردات الإلهية غايته أن يبلغ بصاحبه إلى النبوءة أو الحكمة فلذلك علم يعقوب - عليه السّلام - أنّ اللّه سيعلم يوسف - عليه السّلام - من تأويل الأحاديث ، لأنّ مسبّب الشيء مسبّب عن سبب ذلك الشيء ، فتعليم التّأويل ناشئ عن التشبيه الذي تضمنه قوله : وَكَذلِكَ ، ولأنّ اهتمام يوسف - عليه السّلام - برؤياه وعرضها على أبيه دلّ أباه على أنّ اللّه أودع في نفس يوسف - عليه السّلام - الاعتناء بتأويل الرؤيا وتعبيرها . وهذه آية عبرة بحال يعقوب - عليه السّلام - مع ابنه إذ