الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
20
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أشعره بما توسّمه من عناية اللّه به ليزداد إقبالا على الكمال بقوله : وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ . والتّأويل : إرجاع الشيء إلى حقيقته ودليله . وتقدّم عند قوله تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ سورة آل عمران : 7 ] . و الْأَحادِيثِ : يصحّ أن يكون جمع حديث بمعنى الشيء الحادث ، فتأويل الأحاديث : إرجاع الحوادث إلى عللها وأسبابها بإدراك حقائقها على التمام . وهو المعنى بالحكمة ، وذلك بالاستدلال بأصناف الموجودات على قدرة اللّه وحكمته ، ويصحّ أن يكون الأحاديث جمع حديث بمعنى الخبر المتحدّث به ، فالتأويل : تعبير الرؤيا . سمّيت أحاديث لأنّ المرائيّ يتحدث بها الراءون وعلى هذا المعنى حملها بعض المفسرين . واستدلوا بقوله في آخر القصة وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ [ سورة يوسف : 100 ] . ولعلّ كلا المعنيين مراد بناء على صحة استعمال المشترك في معنييه وهو الأصح ، أو يكون اختيار هذا اللفظ إيجازا معجزا ، إذ يكون قد حكي به كلام طويل صدر من يعقوب - عليه السّلام - بلغته يعبّر عن تأويل الأشياء بجميع تلك المعاني . وإتمام النعمة عليه هو إعطاؤه أفضل النعم وهي نعمة النبوءة ، أو هو ضميمة الملك إلى النبوءة والرسالة ، فيكون المراد إتمام نعمة الاجتباء الأخروي بنعمة المجد الدنيوي . وعلم يعقوب - عليه السّلام - ذلك من دلالة الرؤيا على سجود الكواكب والنيرين له ، وقد علم يعقوب - عليه السّلام - تأويل تلك بإخوته وأبويه أو زوج أبيه وهي خالة يوسف - عليه السّلام - ، وعلم من تمثيلهم في الرؤيا أنّهم حين يسجدون له يكون أخوته قد نالوا النبوءة ، وبذلك علم أيضا أنّ اللّه يتمّ نعمته على إخوته وعلى زوج يعقوب - عليه السّلام - بالصديقية إذا كانت زوجة نبيء . فالمراد من آل يعقوب خاصتهم وهم أنباؤه وزوجه ، وإن كان المراد بإتمام النعمة ليوسف - عليه السّلام - إعطاء الملك فإتمامها على آل يعقوب هو أن زادهم على ما أعطاهم من الفضل نعمة قرابة الملك ، فيصح حينئذ أن يكون المراد من آله جميع قرابته . والتّشبيه في قوله : كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ تذكير له بنعم سابقة ، وليس ممّا دلت عليه الرؤيا . ثم إن كان المراد من إتمام النعمة النبوءة فالتّشبيه تام ، وإن كان المراد من إتمام النعمة الملك فالتشبيه في إتمام النعمة على الإطلاق . وجعل إبراهيم وإسحاق - عليهما السّلام - أبوين له لأنّ لهما ولادة عليه ، فهما أبواه