الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
182
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الاضطراب . وتقدم عند قوله تعالى : وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي في سورة البقرة [ 260 ] . و ( ذكر اللّه ) يجوز أن يراد به خشية اللّه ومراقبته بالوقوف عند أمره ونهيه . ويجوز أن يراد به القرآن قال : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ سورة الزخرف : 44 ] ، وهو المناسب قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ . وعلى هذا المعنى جاء قوله تعالى في سورة الزمر : فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ سورة الزمر : 22 ] ، أي للذين كان قد زادهم قسوة قلوب ، وقوله في آخرها : ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ سورة الزمر : 23 ] . والذكر من أسماء القرآن ، ويجوز أن يراد ذكر اللّه باللسان فإن إجراءه على اللسان ينبه القلوب إلى مراقبته . وهذا وصف لحسن حال المؤمنين ومقايسته بسوء حالة الكافرين الذين غمر الشك قلوبهم ، قال تعالى : بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا [ سورة المؤمنون : 63 ] . واختير المضارع في تَطْمَئِنُّ مرتين لدلالته على تجدد الاطمئنان واستمراره وأنه لا يتخلله شك ولا تردد . وافتتحت جملة أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ بحرف التنبيه اهتماما بمضمونها وإغراء بوعيه . وهي بمنزلة التذييل لما في تعريف الْقُلُوبُ من التعميم . وفيه إثارة الباقين على الكفر على أن يتسموا بسمة المؤمنين من التدبير في القرآن لتطمئن قلوبهم ، كأنه يقول : إذا علمتم راحة بال المؤمنين فما ذا يمنعكم بأن تكونوا مثلهم فإن تلك في متناولكم لأن ذكر اللّه بمسامعكم . وطوبى : مصدر من طاب طيبا إذا حسن ، وهي بوزن البشرى والزلفى ، قلبت ياؤها واوا لمناسبة الضمة ، أي لهم الخير الكامل لأنهم اطمأنت قلوبهم بالذكر ، فهم في طيب حال : في الدنيا بالاطمئنان ، وفي الآخرة بالنعيم الدائم وهو حسن المئاب وهو مرجعهم في آخر أمرهم . وإطلاق المآب عليه باعتبار أنه آخر أمرهم وقرارهم كما أن قرار المرء بيته يرجع إليه بعد الانتشار منه . على أنه يناسب ما تقرر أن الأرواح من أمر اللّه ، أي من عالم الملكوت وهو عالم الخلد فمصيرها إلى الخلد رجوع إلى عالمها الأول . وهذا مقابل قوله في المشركين وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ . واللام في قوله : لَهُمُ للملك .