الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
183
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ 30 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 30 ] كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ ( 30 ) هذا الجواب عن قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ لأن الجواب السابق بقوله : قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ جواب بالإعراض عن جهالتهم والتعجب من ضلالهم وما هنا هو الجواب الرادّ لقولهم . فيجوز جعل هذه الجملة من مقول القول ، ويجوز جعله مقطوعة عن جملة قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ . وأيّا ما كان فهي بمنزلة البيان لجملة القول كلها ، أو البيان لجملة المقول وهو التعجب . وفي افتتاحها بقوله : كَذلِكَ الذي هو اسم إشارة تأكيد للمشار إليه وهو التعجب من ضلالتهم إذ عموا عن صفة الرسالة . والمشار إليه : الإرسال المأخوذ من فعل أَرْسَلْناكَ ، أي مثل الإرسال النبيين أرسلناك ، فالمشبه به عين المشبّه ، إشارة إلى أنه لوضوحه لا يبين ما وضح من نفسه . وقد تقدم نظيره في قوله تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً في سورة البقرة [ 143 ] . ولما كان الإرسال قد علق بقوله : فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ صارت الإشارة أيضا متحملة لمعنى إرسال الرسل من قبله إلى أمم يقتضي مرسلين ، أي ما كانت رسالتك إلّا مثل رسالة الرسل من قبلك . كقوله : قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ [ سورة الأحقاف : 9 ] وقوله : وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ سورة الفرقان : 20 ] لإبطال توهم المشركين أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما لم يأتهم بما سألوه فهو غير مرسل من اللّه . وفي هذا الاستدلال تمهيد لقوله : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [ سورة الرعد : 31 ] الآيات . ولذلك أردفت الجملة بقوله : لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ . والأمّة : هي أمة الدعوة فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ . وتقدم معنى قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ في سورة آل عمران عند قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [ سورة آل عمران : 137 ] . ويتضمن قوله : قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ التعريض بالوعيد بمثل مصير الأمم الخالية التي كذبت رسلها . وتضمن لام التعليل في قوله : لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ أن الإرسال لأجل الإرشاد والهداية